الصفحة 10 من 43

وتقديم التَّرجيح عند الأحناف يتوافق مع أصول المذهب، ففي"فواتح الرَّحموت" [1] :"فالتَّرجيح إنْ أمكن، ويعمل بالرَّاجح؛ لأنَّ ترك الرَّاجح خلاف المعقول والإجماع، وإلاَّ فالجمع بقدر الإمكان للضَّرورة، وإنْ لم يمكن الجمع تساقطا؛ لأنَّ العمل بأحدهما على التَّعيين ترجيح من غير مرجح، والتَّخيير مِمَّا لا وجهة له؛ لأنَّ أحدهما منسوخ كما هو الظَّاهر أو الباطن، ولهذا ـ أي لتقديم الرَّاجح ـ قدَّم الإمام أبو حنيفة ـ رحمة الله تعالى ـ، قوله - صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا من البول، فإنَّ عامّة عذاب القبر منه) [2] ، على: (شرب العرنيين أبوال الإبل) [3] ."

المسألة الثَّانية: أدلة تقديم التَّرجيح:

استدلَّ الأحناف في تقديم التَّرجيح بالمنقول والمعقول. فأمَّا المنقول فهو إجماع الصَّحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ [4] ، على تقديم خبر عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (بوجوب الغسل عند التقاء الختانين) ، لِمَا معها من زيادة علم، على خبر أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وغيره بعدم وجوب الغسل، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (إنَّما الماءُ من الماء) . وأصل الحديثين:

الأوَّل: أنَّه يروى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين إلى"قباء"، حتَّى إذا كنّا في بني سالم، وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على باب عتبان فصرخ به، فخرج يجرّ إزاره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أعجلنا الرّجل) ـ أي حملناه على أنْ يعجل من فوق امرأته ـ، فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرّجل يعجل عن امرأته ولم يَمْنِ، ماذا عليه؟ فقال رسول - صلى الله عليه وسلم: (إنَّما الماءُ من الماء) [5] .

والثَّاني: عن أُبيّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يصيب من المرأة ثُمَّ يكسل، فقال: (يغسل ما مسّ المرأة منه ثُمَّ يتوضأ ويصلي) [6] .

(1) انظر: فواتح الرَّحموت بشرح مسلم الثّبوت.

(2) انظر: سنن النّسائيّ، 1/ 33، برقم31.

(3) انظر: صحيح البخاريّ، 1/ 391، صحيح مسلم، 2/ 384، برقم7046.

(4) انظر: إرشاد الفحول: للشّوكانيّ، 273، والمحصول: للرّازيّ، 5/ 529، والمنخول، 1/ 426.

(5) انظر: صحيح مسلم، 1/ 269، رقم343.

(6) انظر: صحيح مسلم، 1/ 111، رقم289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت