وقد عرف علماء اللغة القدامى والمعاصرون أن الحاجة أو الضرورة هي التي تدعو أهل لغة ما إلى اقتراض بعض الكلمات التي لا توجد في لغتهم من لغات أخرى واستعمالها، فاللغات يستعير بعضها من بعض، وهذا قانون عام في جميع اللغات، وهو أيضًا سبب من أسباب التطور الدلالي [1] . يقول الأستاذ محمد المبارك:"ومن أسباب تبديل معاني الألفاظ تأثير اللغات الأجنبية، بإشراب الكلمة العربية معنى الكلمة الأجنبية المقابلة لها أو إعطائها معناها، كاستعمال الأطباء اليوم كلمة (تدخُّل) بمعنى العملية الجراحية، واستعمالنا كلمة (الوسط) للبيئة والمحيط كذلك، و (التحليل) للشرح والتفسير، و (المدرسة) بمعنى المذهب، و (الدور) بمعنى النوبة. فهي ترجمة حرفية للألفاظ الفرنسية .." [2] .
قد أشار اللغوي (أولمان) إلى أن تغير العلاقة بين اللفظ والمدلول يظهر في صورتين:
إحداهما: أن يضاف مدلول جديد إلى كلمة قديمة، والثانية: أن تضاف كلمة جديدة إلى مدلول قديم [3] . والصورة الأولى من صور التغير الدلالي قد استحوذت على اهتمام الدارسين حتى كادت تنسيهم الصورة الثانية، على اعتبار أن اللفظ ثابت ومعناه هو المتبدل، لذلك لم تلق الصورة الثانية من صور التغير الدلالي ـ وهي بقاء المعنى ثابتًا وتغير اللفظ الدال عليه ـ قدرًا كافيًا من الاهتمام، ويبدو أن الأسباب الخاصة بتغير معاني الألفاظ، هي نفسها أسباب تغير الألفاظ ذاتها أيضًا [4] . وقد تنبه أبو حاتم الرازي في مقدمة كتابه (الزينة) إلى هذا الوجه من أوجه التطور الدلالي حين حدد الأسماء التي يريد تفسير معانيها في كتابه فقال:"ومنها أسامٍ دل عليها النبي صلى الله عليه [وسلم] في هذه الشريعة ونزل بها القرآن، فصارت أصولًا في الدين وفروعًا في الشريعة لم تكن تعرف قبل ذلك، وهي مشتقة من ألفاظ العرب" [5] . فمن ذلك كلمة (الجهاد) وهو اللفظ الذي جاء به القرآن بدلًا من (الحرب والغزو والإغارة) ، فتغير الدال على الحرب لتغير مفهومها في الأذهان.
يقول أحد الباحثين المعاصرين:"والجهاد بهذه الصيغة لم تصادفني فيما قرأته وبحثت فيه من دواوين الشعر الجاهلي .." [6] . فهي استعمال إسلامي جديد.
(1) ينظر: دلالة الألفاظ، 148 - 149.
(2) فقه اللغة وخصائص العربية، محمد المبارك 216.
(3) ينظر: دور الكلمة في اللغة 152.
(4) ينظر: فقه اللغة وخصائص العربية 217.
(5) الزينة 1/ 134.
(6) التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة 287.