الصفحة 4 من 31

أقل وضوحًا في الدلالة على الأشياء التي تعبر عنها، وهو ما يسميه علماء اللغة المعاصرون بعامل (الابتذال أو اللا مساس) [1] . ويكثر ذلك في الألفاظ التي تعبر عن الحاجات الإنسانية والغرائز، والألفاظ التي ترتبط بالقذارة والدنس، لأن هذه الحاجات كثيرًا ما يكنى عنها بكنايات معينة، غير أن كثرة استعمال تلك الكنايات يؤدي إلى شيوعها وابتذالها حتى تصبح أشد من التصريح، فتهجر تلك الألفاظ وتندثر من الاستعمال، وتحل محلها ألفاظ جديدة أكثر تعمية عن المقصود من الألفاظ القديمة، لكنها بمرور الوقت وكثرة التداول تفقد هذه الميزة، فتترك لتحل محلها ألفاظ أخرى، تدل دلالة غير مباشرة على المعنى المراد، وهكذا تدور الألفاظ في دورة متصلة.

وقد حفل القرآن الكريم بمثل هذه الكنايات التي لا تدل دلالة مباشرة على المعنى المقصود، فمن ذلك كلمة: (الغائط) التي تعني في اللغة: المكان المنخفض، أو الوادي [2] ، وقد جاءت في القرآن الكريم كناية عن قضاء الحاجة، نقل الزبيدي في معجم (تاج العروس) أن الغائط:"كناية عن العَذِرَة نفسها ... لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط وقضوا الحاجة، فقيل لكل من قضى حاجته: قد أتى الغائط، يكنى به عن العذرة. وفي التنزيل العزيز: (أو جاء أحد منكم من الغائط) [النساء 43] ، وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطًا من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، ثم قيل للبراز نفسه ـ وهو الحدث ـ غائط، كناية عنه إذ كان سببًا له" [3] .

وبسبب كثرة استعمال هذه اللفظة في ذلك المعنى أصبحت صريحة فيه، فعدل عنها الناس، لذلك لا نجد اليوم من يستعملها حتى في لغة الكتابة، واستعاض الناس عنها بألفاظ أخرى فيها شيء من التعمية والغموض، تتماشى مع التطور الحضاري للمجتمعات، من مثل: (قضاء الحاجة، الذهاب إلى الحمام) وغير ذلك.

ومن أسباب التطور الدلالي التي تأتي من داخل اللغة نفسها: التبدل الناشئ من كثرة استعمال لفظ في موضع معين وبجوار ألفاظ معينة [4] . فكلمة (اتقى) تعني في الأصل: وقى نفسه ثم استعملت كلمة (التقوى) بمعنى أعم من المعنى الأصلي فأصبحت تفيد العمل الصالح، وأصبحت كلمات: (التقي والمتقي) تدل على الرجل الصالح، ذكر ابن منظور في معجم (لسان العرب) أن العرب تقول:"رجل تقي، ويجمع على أتقياء، معناه أنه مُوقٍ نفسه من العذاب"

(1) ينظر: دلالة الألفاظ 139، دور الكلمة في اللغة 174، علم الدلالة 239 - 240.

(2) ينظر: تاج العروس (غوط) 19/ 520، تفسير النسفي 1/ 227. دار الكتاب العربي - بيروت.

(3) ينظر: تاج العروس (غوط) 19/ 521 - 522.

(4) ينظر: فقه اللغة وخصائص العربية، محمد المبارك 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت