يقول إبراهيم أنيس:"وينحرف الناس عادة باللفظ من مجاله المألوف إلى آخر غير مألوف حين تعوزهم الحاجة في التعبير، وتتزاحم المعاني في أذهانهم أو التجارب في حياتهم، ثم لا يسعفهم ما ادخروه من ألفاظ، وما تعلموه من كلمات، فهنا قد يلجئون إلى تلك الذخيرة اللفظية المألوفة، مستعينين بها على التعبير عن تجاربهم الجديدة لأدنى ملابسة أو مشابهة أو علاقة بين القديم والجديد" [1] .
وثمة حالات أخرى يكون فيها تغير المعنى غير مرتبط بأية حاجة، إنما يرجع إلى أسباب لغوية، وتاريخية، واجتماعية [2] . ومن الباحثين من صّنف هذه الأسباب في قسمين: القسم الأول: يرجع إلى أسباب خارجية، وهي التي يكون مصدرها الأشياء والحياة التي يعيشها المتكلمون، والقسم الثاني: يرجع إلى أسباب داخلية مرتبطة باللغة ذاتها وصيغها وتراكيبها وعلاقاتها بفصيلتها اللغوية [3] .
فالتطور الاجتماعي والثقافي للمجتمعات الإنسانية يعد من الأسباب الخارجية التي تؤدي إلى انتقال الدلالة من المجال المحسوس إلى المجال المجرد نتيجة لتطور العقل الإنساني ورقيه [4] .
أما الأسباب التي تأتي من داخل اللغة نفسها فهي ترجع في معظم الأحيان إلى الاستعمال، لأن اللغة وجدت ليتم التفاهم بها بين الناس، فهم يتداولون ألفاظها بينهم مثلما يتداولون الدراهم ويستبدلون بها الحاجات، غير أن التبادل باللغة يكون بوساطة الأذهان والنفوس، وهذه تختلف من شخص إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى، لذلك فإن الدلالة تتشكل تبعًا لذلك، فهي تتنوع بتنوع التجارب والأحداث، وعندما ترثها الأجيال التالية من الأجيال السالفة، فإنها لا ترثها على حالها الأولى، وإنما تتلقاها مع بعض الانحراف في الدلالة، ثم يتعاظم هذا الانحراف مع توالي الأجيال.
وينجم عن استعمال اللغة وتداولها، أن تضاف دلالات جديدة إلى ألفاظ قديمة نتيجة سوء الفهم مثلًا [5] ، أو أن تبلى ألفاظ أخرى فيصيبها بعض التغير في الصورة يجعلها تشابه ألفاظًا أخرى فتدخل معها في دلالتها، فتختلط الدلالتان، ويرى بعض الباحثين أن هذا الأمر يعد سببًا من أسباب نشأة ظاهرة الاشتراك اللفظي [6] . أو أن تهجر ألفاظ أخرى ويستعاض عنها بغيرها لتكون
(1) دلالة الألفاظ 130.
(2) ينظر: دور الكلمة في اللغة 154 - 156، علم الدلالة العربي 265 - 266.
(3) ينظر: علم الدلالة العربي 266.
(4) ينظر: علم الدلالة 238.
(5) ينظر: دلالة الألفاظ 135، علم الدلالة 240، اللغة لفندريس 252 - 253.
(6) ينظر: دلالة الألفاظ 138.