الصدأ الكثير .. ومن المجاز طبع الله على قلب الكافر .." [1] . وجاء في (اللسان) :"الطبع ـ بالسكون ـ الختم، وبالتحريك: الدنس، وأصله من الوسخ والدنس يغشيان السيف، ثم (استعير) فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح" [2] . ونلحظ استخدام مصطلح (استعير) مع (يشبه) وهي إشارة إلى أن نقل الدلالة في هذا اللفظ اعتمد على المشابهة، فكلمة (طبع) كانت تدل على معان حسية كالنقش والتصوير والصدأ، ثم تطورت دلالتها فأصبحت تدل على معان مجردة كالخليقة والختم على قلب الكافر."
وكلمة (نبط) كانت تعني استخراج الماء من البئر [3] ، وهذا هو المعنى الحسي لها، ثم تطورت دلالتها إلى معان مجردة مثل استنباط الآراء العلمية، والاجتهاد في المسائل الفقهية، والسؤال عن الأحكام الشرعية، قال مجاهد في تأويل قوله تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) [النساء، 83] ، هم: (الذين يسألون عنه ويتحسسونه) [4] . فكأن السؤال وسيلة لاستخراج العلم من العالم، مثلما كان الاستنباط استخراجًا للماء من البئر، قال الزمخشري: ومن المجاز (استنبط معنىً حسنًا ورأيًا صائبًا) [5] .
وكلمة (نافق) مأخوذة من (النفق) وهو:"سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر" [6] . هذا هو المعنى المادي للكلمة، وفي الإسلام اشتق منها مصطلح: (النفاق والمنافق) وهو وصف لمن يضمر الكفر ويظهر الإيمان، جاء في (لسان العرب) :"سمى المنافق منافقًا للنفق وهو السرب في الأرض، وقيل: إنما سمي منافقًا لأنه نافق كاليربوع، وهو دخوله نافقاءه .."
وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، (وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه) وإن كان أصله في اللغة معروفًا" [7] ."
ومن خلال استقراء هذه الأمثلة وأخرى غيرها، يتبين لنا صحة ما قاله علماء الدلالة القدامى والمحدثون من أن الدلالة تتجه في تطورها من المجال المحسوس إلى المجال المجرد.
2 -الانتقال من الدلالة المجردة إلى الدلالة الحسية:
(1) أساس البلاغة، (طبع) ، 383.
(2) لسان العرب (طبع) ، 8/ 233.
(3) ينظر: أساس البلاغة (نبط) 614.
(4) تفسير مجاهد، 167، الهامش 2.
(5) أساس البلاغة (نبط) ، 615.
(6) لسان العرب (نفق) ، 1/ 358 - 359.
(7) لسان العرب (نفق) ، 1/ 358 - 359.