الصفحة 26 من 31

إلى المجرد أو العكس، غرضه الإثارة والإبداع ليس إلا، ولا صلة له بالتطور التاريخي للدلالة.

ومن الأمثلة على تطور الدلالة من الحسي إلى المعنوي ما ذكره أهل اللغة من أن أصل معنى (الشرف) المرتفع من الأرض، ومنه قول العرب: حلوا مشارف الأرض، أي: أعاليها، ثم نقلت إلى معنى مجرد، فقالوا: فلان شريف، أي: عالي المنزلة [1] . والعلاقة المشابهة.

ولفظة (لبق) مأخوذة من الثرد والخلط الشديد للطعام حتى يصبح لينًا، وهو معنى محسوس، ثم تطورت دلالتها لتطلق على لين الأخلاق ولطفها، فوسموا من يتصف بذلك بـ (اللباقة) ، قال الزمخشري:"رجل لبق ولبيق: لين الأخلاق لطيف ظريف" [2] . وهذا معنى مجرد. وبعد مجيء الإسلام تحولت دلالات ألفاظ كثيرة كانت تحمل معاني محسوسة ثم تطورت لتعبر عن معان مجردة فمن ذلك كلمات: (غفر، زكا، طبع، نبط، نافق) .

فكلمة (غفر) أصل معناها الستر والتغطية، وهو معني حسي، ثم تطورت دلالتها في الإسلام إلى معنى الصفح والتجاوز عن الذنوب، وهو أمر معنوي: قال أبو حاتم الرازي في معنى (الغفور) :"والمغفرة الستر، كأنه يستر ذنوب العباد إذا رضي عنهم، فلا يكشفها للخلائق .. وأصله من غفرت الشيء إذا غطيته .." [3] .

وكلمة (زكا) أصل معناها: النمو والزيادة، ثم استعملت في الإسلام، بمعنى تطهير النفس، قال أبو حاتم الرازي:"ومن الأسماء ما يجر معنيين، كقولك: الزكاة، قالوا: هو من النمو والزيادة يقال: زكا الزرع إذا نما وطال وزاد، ويكون من الطهارة، قال تعالى: (قد أفلح من زكاها) [الشمس، 9] . أي طهرها" [4] .

وكلمة (طبع) قال الراغب الأصفهاني في معناها: (الطبع: أن تصور الشيء بصورة ما كطبع السكة وطبع الدراهم .. وبه اعتبر الطبع والطبيعة التي هي السجية، فإن ذلك هو نقش النفس بصورة ما، إما من حيث الخلقة، وإما من حيث العادة، وهو فيما ينقش به من حيث الخلقة أغلب، ولهذا قيل: وتأبى الطباع على الناقل .." [5] . وجاء في(أساس البلاغة) :"طَبِعَ السيفُ ركبه

(1) ينظر: أساس البلاغة (شرف) 326.

(2) نفسه (لبق) 557 - 558.

(3) الزينة: 2/ 97.

(4) الزينة: 1/ 133.

(5) المفردات 449، ط. الأنجلو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت