على (الشارب) ، والشنب في اللغة هو: رقة الثغر وصفاؤه وبرده [1] . ويبدو أن هذا اللفظ انتقل للدلالة على الشارب لعلاقة المجاورة بين الفم والشارب.
فالمجاز المرسل باب واسع من أبواب التطور الدلالي، وله أثر كبير في مجرى هذا التطور.
ومن مظاهر التطور الدلالي التي تتصل بهذا المظهر أي (انتقال الدلالة) ، هو انتقال الدلالة من الدلالة الحسية إلى الدلالة المجردة والعكس، أي انتقالها من المجرد إلى الحسي.
1 -الانتقال من الدلالة الحسية إلى الدلالة المجردة:
يكاد يتفق الباحثون في نشأة الدلالة على أنها بدأت بالمحسوسات ثم تطورت إلى الدلالات المجردة بحكم تطور العقل الإنساني ورقيه، فكلما ارتقى التفكير العقلي عند الإنسان جنح إلى استخراج الدلالات المجردة وتوليدها والاعتماد عليها في الاستعمال [2] .
وهذه الظاهرة في نقل الدلالة تعدُّ من المجاز أيضًا، ولكنها ليست من ذلك المجاز الفني أو البلاغي الذي يستعمله الأدباء، لأن هذا الضرب من المجاز لا يثير دهشة أو غرابة في ذهن السامع، إذ"ليس المراد منه إثارة العاطفة أو انفعال النفس، بل هدفه الأساسي الاستعانة على التعبير عن العقليات والمعاني المجردة، فهو لهذا يعد مرحلة تاريخية متميزة لتطور الدلالة عند الأمم" [3] .
وانتقال الدلالة من المجال المحسوس إلى المجال المجرد يتم عادة بالتدريج، وقد تظل الدلالتان سائدتين معًا زمنًا ما، وقد تستعمل الدلالة الحسية للفظ فلا تثير دهشة أو غرابة، وقد تستعمل الدلالة المعنوية، للفظ ذاته فلا يدهش لها أحد [4] .
ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أنه في هذه الحالة لا يمكن أن تعد إحدى دلالتي اللفظ حقيقة والثانية مجازًا، فلا مجاز ولا حقيقة بينهما في مثل هذه الحال [5] . غير أن الذي أجمع عليه علماء الدلالة القدامى والمحدثون هو أن الدلالة تبدأ حسية ثم تتطور لتصبح معنوية بحكم تطور العقل الإنساني، ولذلك يمكننا القول: إن دلالة اللفظ الحسية هي الأصل أو الحقيقة، وإن دلالته المعنوية هي المجاز المتطور عن ذاك الأصل، إلا في حالة المجاز الفني المتقدم ذكره، لأن هذا الضرب من المجاز يكون نقل الدلالة فيه من المحسوس
(1) ينظر: أساس البلاغة (شنب) 339.
(2) ينظر: دلالة الألفاظ 161، علم الدلالة 238، علم اللغة وفقه اللغة 53.
(3) ينظر: دلالة الألفاظ 162.
(4) ينظر: دلالة الألفاظ 162.
(5) ينظر: دلالة الألفاظ 162.