فمن المجاز المرسل إيقاع المسبب موقع السبب، ومنه قوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسًا) [الأعراف، 26] ، واللباس لم ينزل من السماء وإنما نزل سببه وهو المطر. ومنه إطلاق اسم الكل على الجزء، قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) [المائدة، 6] واليد حقيقة إلى المنكب، والمراد في الآية إلى المرفقين.
ومنه إطلاق اسم الجزء على الكل، كقوله تعالى: (كلُّ شيٍء هالكُُ إلا وجهَه) [القصص، 88] أي: إلا ذاته.
ومنه إطلاق اسم المحل على الحالَّ فيه، كقوله تعالى: (فَليدعُ ناديَه) [العلق، 17] والمراد أهل النادي، وقوله: (واسأل القرية) [يوسف، 82] والمقصود أهلها.
ومنه إطلاق اسم آلة الشيء عليه، كقوله تعالى: (واجعل لي لسانَ صدقٍ في الآخرين) [الشعراء، 84] أي: ذكرًا حسنًا، أطلق اللسان على الذكر لأن اللسان آلته [1] .
ومن أمثلة المجاز المرسل في اللغة انتقال دلالة لفظة (الوغى) من اختلاط الأصوات في الحرب إلى الدلالة على الحرب نفسها لعلاقة المسببية [2] ، وانتقال دلالة (الظعينة) ومعناها في الأصل: الهودج إذا كان فيه المرأة، للدلالة على البعير وعلى الهودج نفسه،"وقد يكنى به عن المرأة وإن لم تكن في الهودج" [3] . وذلك لعلاقة الحالّية.
وللمجاز أثر كبير في التسمية وإطلاق الألفاظ على مسمياتها، يقول ابن قتيبة:"فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة، إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاورًا لها، أو مشاكلًا، فيقولون للنبات: نوء، لأنه يكون عن النوء عندهم .. ويقولون للمطر: سماء، لأنه من السماء ينزل .." [4] . فهو يشير إلى المجاز المرسل وبعض علاقاته، ومنها: السببية، والمجاورة، والمحلية.
وفي لغات الخطاب المعاصرة، نقول: شربت من البن اليمني، والبن لا يشرب، إنما تشرب القهوة التي تصنع من البن، والعلاقة اعتبار ما كان، ونقول: فلان في القهوة، فنطلق اسم القهوة على مكان شربها، والعلاقة مكانية، وقد ذكرنا أن (الشّنَب) يطلق في بعض اللهجات العربية المعاصرة
(1) ينظر: البرهان للزركشي 2/ 259 - 299.
(2) ينظر: جمهرة اللغة 3/ 432.
(3) المفردات للراغب 469، ط. الأنجلو.
(4) تأويل مشكل القرآن 135.