آخر، مثل استخدام كلمة (صدر أو نحر) بدلًا من (ثدي) ، ومنها تبادل الأسماء الدالة على عمليات الحواس، فكثيرًا ما تستعمل الألفاظ الدالة على اللمس والسمع والإحساس والذوق بعضها مكان بعض، فبعض الأمم تسمي الأصم (أعمى الأذنين) ، ومما ييسر الانتقال من دلالة إلى أخرى الروابط التي يقيمها العقل بين عمليات الحواس المختلفة [1] .
فمن الكلمات التي تغيرت دلالتها بطريق النقل كلمة (الشنب) التي كانت تعني في القديم (جمال الثغر) وهي في بعض لهجات الخطاب المعاصرة تعني: (الشارب) ، وكلمة: (السفرة) التي كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر، وهي في الاستعمال الحديث: المائدة وما عليها من الطعام، وقديمًا كان (طول اليد) كناية عن السخاء والكرم، وأصبح اليوم وصفًا للسارق [2] . و (القلق) كان يدل على الحركة والاضطراب، وهو الآن مصطلح في علم النفس يدل على حالة نفسية معينة [3] .
وقد اهتم اللغويون الأوائل كثيرًا بمظهر انتقال الدلالة، وأولوه عناية خاصة، وأفاضوا في الحديث عنه عند دراستهم للحقيقة والمجاز، وفي ذلك يقول ابن جني (ت 392هـ) :"الحقيقة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز، ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة، وهي: الاتساع، والتوكيد، والتشبيه ..." [4] . فالاتساع في التعبير غاية من غايات النقل الدلالي.
وقد قسم علماء اللغة الأوائل المجاز المرسل بحسب علاقاته أقسامًا كثيرة، فمنهم من جعله تسعة أقسام، ومنهم من جعله أربعة عشر قسمًا [5] ، وقد ذكر السيوطي (ت911هـ) من أقسام هذا المجاز عشرين قسمًا [6] ، وأهم علاقات المجاز المرسل التي ذكرها المتقدمون، هي: السببية، والكلية والجزئية، والآلية، والحالية والمحلية والمجاورة والعموم والخصوص، واعتبار ما كان وما يكون [7] . ومن الواضح أن هذه العلاقات بين المعاني القديمة والمعاني الجديدة، هي التي تؤدي إلى انتقال الدلالة من مجال إلى مجال آخر، وحصول ما يسمى بالتطور الدلالي، ولذلك فإن علم اللغة الحديث ينظر إلى المجاز المرسل على أنه مظهر من مظاهر التطور الدلالي.
(1) ينظر: التطور اللغوي118.
(2) ينظر: دلالة الألفاظ 126، التطور اللغوي 119.
(3) ينظر: علم الدلالة والمعجم العربي 70.
(4) الخصائص لابن جني 2/ 444.
(5) ينظر: المجاز في البلاغة العربية 116.
(6) ينظر: الإتقان 3/ 111 - 116.
(7) ينظر: المجاز في البلاغة العربية 117 - 119.