فالمعنيان القديم والجديد متساويان، ومعنى هذا أن كل أنواع المجاز التي يتساوى فيها الطرفان (المنقول منه والمنقول له) تندرج ضمن هذا النوع المسمى بنقل الدلالة، أو تغيير مجال الاستعمال، وقد ذهب بعض الباحثين المحدثين إلى أن الفرق بين مظهر الانتقال والمظهرين الآخرين من مظاهر التطور الدلالي يتمثل في أن هذين المظهرين يتّمان عادة بصورة غير شعورية، أما هذا المظهر أي (الانتقال) فإنه يتم بصورة قصدية لغرض أدبي غالبًا [1] . والحقيقة أن نقل المعنى كثيرًا ما يتم لغير داعٍ إبداعي أو أدبي كالحاجة مثلًا، فقد ينقل المتكلمون اللفظ من مجاله المألوف إلى مجال آخر غير مألوف:"حين تعوزهم الحاجة في التعبير، وتتزاحم المعاني في أذهانهم أو التجارب في حياتهم، ثم لا يسعفهم ما ادخروه من ألفاظ، وما تعلموه من كلمات، فهنا قد يلجئون إلى تلك الذخيرة اللفظية المألوفة، مستعينين بها على التعبير عن تجاربهم الجديدة لأدنى ملابسة أو مشابهة أو علاقة بين القديم والجديد" [2] .
ويلحظ علم اللغة الحديث أن ظاهرة انتقال الدلالة تبرهن على وجود بعض الفصائل المعنوية من المفردات التي تختلط فيها بسهولة النسب الكامنة بين الأجناس والأنواع، وأن انتقال المعنى يكثر بسبب التجاور بين المعاني، ويفسر هذه الظاهرة بأن كل كلمة من كلمات الفصيلة المعنوية لها مضمون خاص وتدل على شيء خاص"ولكنها أمام العقل تشترك جميعًا في انتسابها إلى مجموعة عامة، ولما كانت فكرة العموم تطغى على المعاني الخاصة، فقد يحدث للعقل أن ينتقل من أحد المعاني إلى الآخر، وهذه الظاهرة تقع بصورة خاصة في أسماء النبات والحيوان وأسماء أجزاء الجسم والأمراض والألوان" [3] .
وأمثلة انتقال الدلالة لغير المشابهة كثيرة، فمن ذلك إطلاق اسم (الشتاء) على المطر، لأن الشتاء هو الفصل الذي ينزل فيه المطر، فالعلاقة بين المعنيين زمانية. ومن ذلك قول العرب: (أكلنا ملة) أي: خبز ملة، والملة هي الرماد الحار، وهو موضع الخبزة، فسموا الخبزة باسم موضعها [4] ، ومن ذلك إطلاق لفظه (اليد) على النعمة، لأن النعمة تصدر عنها [5] . ومن انتقال الدلالة في لهجات الخطاب المعاصرة استعمال كلمة (الشجرة) بمعنى (النخلة) و (الطير) بمعنى (الذباب) ، وكذلك إطلاق اسم أحد أعضاء الجسم على عضو
(1) ينظر: علم الدلالة 247.
(2) دلالة الألفاظ 130.
(3) اللغة 259.
(4) ينظر: لحن العامة للزبيدي 174.
(5) ينظر: أسرار البلاغة 343.