وهذا هو الضرب الثاني من ضروب انتقال الدلالة، وهو الانتقال من المعنى المجرد إلى المعنى الحسي، وغالبًا ما يكون ذلك من أجل توضيح الصورة الذهنية، وجعلها أمرًا محسوسًا يُرَىَ ويُسمَع ويُتذوق ويُلمس ويُشَم، وهذا النوع من النقل يكثر في لغة الأدب عند المبدعين من الأدباء والشعراء، فنجد المعاني المجردة كالحنان والحقد والصبر والأمل تصبح أشياء محسوسة نكاد نلمسها، فيزداد تأثرنا وانفعالنا بتلك الصورة التي يرسمها لنا المبدع."وأوضح ما تكون تلك العملية فيما يسمى بالكنايات الأدبية، كأن يكنى عن (الكرم) بكثرة الرماد، وعن (التذلل) بإراقة ماء الوجه .. إلخ."
فنقل الدلالة المجردة إلى المجال المحسوس مما يمهر فيه الأدباء والشعراء وأصحاب الخيال، وهو كثير الورود في الأدب العربي، وهو الذي يستحق أن يسمى بالمجاز البلاغي" [1] ."
هذه أهم مظاهر التطور الدلالي التي وقف عندها علماء العربية في القديم والحديث، وثمة مظاهر أخرى لهذا التطور وهي تعد أيضًا من ضروب انتقال الدلالة، وتتعلق بعوامل نفسية واجتماعية، من مثل: سمو الدلالة وانحطاطها، والمحظور، وحسن التعبير، والتحول نحو المعاني المضادة، والمبالغة، وغير ذلك من المظاهر التي أثراها الباحثون المحدثون بالدراسة والأمثلة الكثيرة [2] .
خاتمة:
قد عرفنا من خلال هذه الدراسة الموجزة أهمية علم الدلالة في العصر الحديث، وأن اللغات الإنسانية واللغة العربية إحداها في حالة تطور مستمر وبخاصة في مجال الدلالة، وقد وقفنا عند العوامل والأسباب التي تؤدي إلى التطور الدلالي كالحاجة، والأسباب اللغوية، والتاريخية والاجتماعية.
كما وقفنا عند المظاهر التي يتجلى فيها التطور الدلالي، ومن أهمها: تخصيص الدلالة وتعميمها وانتقالها من مجال إلى مجال آخر، بعلاقة المشابهة كما في الاستعارة، أو بغير علاقة المشابهة كما في المجاز المرسل.
وقد لاحظنا من خلال هذا البحث أن علماء العربية المتقدمين كابن جني وابن فارس والسيوطي وغيرهم قد حددوا عوامل التطور الدلالي وعرفوا مظاهره المختلفة، وذكروا كثيرًا من المفردات التي تطورت دلالاتها مما يدل على إلمامهم وإحاطتهم بهذا العلم.
(1) دلالة الألفاظ 161.
(2) ينظر: دلالة الألفاظ 156 - 160، علم الدلالة 248 - 250 و 40، دور الكلمة في اللغة 174 - 180، علم اللغة للسعران 280 - 285، علم اللغة وفقه اللغة 56 - 58، علم الدلالة والمعجم العربي 65 - 69.