ويتجلى هذا المظهر في كثير من الكلمات التي انتقلت من معناها إلى معنى آخر يشبهه، وأجزاء جسم الإنسان تعد مصدرًا ثرًّا للاستعارات، وكثيرًا ما تنقل إلى مجالات أخرى لعلاقة المشابهة، من مثل قولنا: أسنان المشط، وسن القلم، وعين الحقيقة، وعين الصواب، وعنق الزجاجة، ورأس الشارع، وصلب الموضوع، وقلب المعركة، وصدر الصحيفة، وصدر المجلس، وظهر الأرض، ورجل الكرسي، ورجل الطاولة، وكبد الحقيقة، ويد الإبريق .. إلخ.
ومن جسم الحيوان: ذيل الفستان، وذيل الصفحة، وجناح الطائرة .. إلخ.
ومن النبات: شجرة النسب، فرع العائلة، جذور القضية، ثمرة البحث .. إلخ.
وذكر (أولمان) نوعًا آخر من الاستعارة يعتمد على التشابه في الشعور نحو جانبي الاستعارة، وفي نوع الإحساس بها، أكثر من اعتماده على التشابه في الصفات.
ومن الأمثلة على ذلك قولهم: تحية عاطرة، واستقبال بارد، ولون دافئ، وصوت حلو، يقول:"فهنا يوجد الإحساس بأن هناك تشابهًا بين الدفء ولون معين من الألوان، وتشابهًا بين المذاق الحلو والصفات الجميلة للصوت" [1] .
ومن الاستعارات الشائعة استخدام الكلمات ذات المعاني المادية المحسوسة للدلالة على المعاني المجردة، كما في قولهم: جَسَّمَ المشكلة، وعَقَّدَ المسألة، ورَكَّزَ الفكرة [2] .
والاستعارة أسلوب مهم من أساليب العرب في الكلام، وقد حفل كلامهم شعرًا ونثرًا بالاستعارة وبغيرها من ألوان المجاز، وعلى وفق أساليبهم تلك نزل القرآن الكريم.
وفي ذلك يقول ابن قتيبة (ت 276 هـ) :"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه، ففيها: الاستعارة والتمثيل والقلب، والتقديم والتأخير .. وبكل هذه المذاهب نزل القرآن" [3] .
ويرى ابن فارس أن الاستعارة سنة فاشية من سنن العرب في كلامها، حيث يقول:"ومن سنن العرب: الاستعارة، وهو أن يضعوا الكلمة للشيء مستعارة من موضع آخر، فيقولون: (انشقت عصاهم) إذا تفرقوا، وذلك يكون للعصا ولا يكون للقوم، ويقولون: كشفت عن ساقها الحرب .." [4] .
ويلحظ عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) النقل الدلالي في الاستعارة، وذلك عندما ينقل اللفظ من مجال استعماله الأول إلى مجال آخر كأنه العارية،
(1) نفسه 170.
(2) ينظر: علم اللغة وفقه اللغة د. عبد العزيز مطر 53.
(3) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 20 - 21.
(4) الصاحبي 334، وينظر: المزهر 1/ 331.