ثانيًا: مظاهر التطور الدلالي:
تبين لنا فيما سلف أن الكلمة قد تتطور دلالتها وتتغير من عصر إلى عصر، وعرفنا أهم العوامل أو الأسباب التي تؤدي إلى ذلك التطور والتغير، وبقي أن نعرف المظاهر التي يتجلى فيها ذلك التطور.
فمن خلال استقراء التغيرات التي تطرأ على معاني الكلمات في اللغات المختلفة، استطاع علماء اللغة المعاصرون أن يحصروا التطور الدلالي في مظاهر رئيسة تصدق على اللغات جميعًا، وبحسب تقسيم منطقي اتبعوه وجدوا أن المعنى القديم للكلمة:"إما أن يكون أوسع من المعنى الجديد، أو أضيق منه، أو مساويًا له، ولم تكن هناك إمكانية رابعة يدخلونها في حسبانهم" [1] .
وبذلك نجد أن أهم مظاهر التطور الدلالي التي تصيب الألفاظ ثلاثة، هي: تخصيص دلالة الكلمة، أو تعميم دلالتها، أو تغيير مجال استعمالها: يقول اللغوي (ج. فندريس) :"ترجع أحيانًا التغيرات المختلفة التي تصيب الكلمات من حيث المعنى إلى ثلاثة أنواع: التضييق والاتساع والانتقال، فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى معنى خاص .. وهناك اتساع في الحالة العكسية أي عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام .. وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان أو إذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص". [2]
ولا بد من القول إن علماءنا الأوائل قد تنبهوا إلى هذه المظاهر الثلاثة من مظاهر التطور الدلالي، وأغنوها بالبحث والأمثلة الكثيرة، كما سنرى عند دراسة هذه المظاهر، وثمة مظاهر أخرى للتطور الدلالي ستذكر في مواضعها من هذه الدراسة.
(1) دور الكلمة في اللغة 162.
(2) اللغة 256.