للاستعمالات المختلفة التي تستعمل فيها، وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات، وعندنا مثال جميل عن التأقلم في كلمة ( bureau) : ( مكتب) ، إذ كانت تدل في الأصل على نوع من نسج الصوف الغليظ .. ثم أطلقت على قطعة الأثاث التي تُغطى بهذا النسج، ثم على قطعة الأثاث التي تستعمل للكتابة أيًا كانت، ثم على الغرفة التي تحتوي على هذه القطعة من الأثاث، ثم على الأعمال التي تعمل في هذه الغرفة، ثم على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال، وأخيرًا على أية مجموعة من الأشخاص تقوم بإدارة إحدى الإدارات أو الجمعيات.
وخلق معنى جديد لا يقضي بالضرورة على المعاني السابقة، فهنا يمكن لكل المعاني أن تبقى حية في اللغة إذا استثنينا الأول منها (نوع من النسج) وحركة التغيرات المعنوية لا تسير دائمًا في خط مستقيم، بل تسير في كل الاتجاهات حول المعنى الأساسي، وكل واحد من المعاني الثانوية، يمكن أن يصير بدوره مركزًا جديدًا للإشعاع المعنوي" [1] ."
6 -الابتذال أو الانحطاط لمعنى الكلمة:
ومن عوامل التطور الدلالي كذلك: عامل: (الابتذال أو الانحطاط) الذي يصيب الألفاظ في كل لغة، لظروف سياسية أو اجتماعية أو عاطفية [2] ، فكلمة (الحاجب) كانت تعني في الدولة الأندلسية: (رئيس الوزراء) ثم انحدرت في وقتنا الحاضر إلى معنى (البواب) ، وكلمة (الوزير) العربية أصبحت تعني في الإسبانية (الشرطي) [3] . وهذا العامل هو في حد ذاته أحد مظاهر التطور الدلالي كما سنرى.
إن أسباب تغير المعنى كثيرة ومتنوعة، قد تستعصي على الحصر، وقد ذكر بعض علماء الدلالة المعاصرين أكثر من واحد وثلاثين سببًا لتغير المعنى، ثم انتهى إلى القول:"إن عملية تغير المعنى مسألة صعبة ومعقدة، وبعضها فريد في نوعه، وعلى الرغم من ذلك يمكن استنباط عدة أسباب مهمة لتغير المعاني، وهذه الأسباب لغوية وتاريخية ونفسية، ومنها التأثير الأجنبي والحاجة إلى اسم جديد" [4] .
لقد وقفنا فيما سلف على أهم عوامل التطور الدلالي التي ذكرها معظم علماء اللغة في القديم والحديث، وبقى أن نتعرف على أهم المظاهر التي يبدو فيها هذا التطور.
(1) اللغة، فندريس، 253 - 254.
(2) ينظر: دور الكلمة في اللغة 180.
(3) ينظر: دلالة الألفاظ، أنيس 157، التطور اللغوي، رمضان 114.
(4) ينظر: الترادف في اللغة، حاكم مالك لعيبي 15.