وقال الجرجاني في تعريفاته: البغي طلب الاستعلاء بغير حق. [1] وقال الراغب طلب تجاوز الاقتصاد فيما يُتَحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في المقدار الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية. [2]
والبغي والعدوان، مطية كل مستكبر، وسبيل كل جبار، فبعدما تبين لأهل الكتاب الحق؛ اعرضوا عنه ورغبوا فيما عداه، وحسدوا أهله، قال تعالى: (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) سورة البقرة، 105، فمن بغيهم ما يودون أن ينزل الله علينا خيرا قط.
وقال تعالى مخبرا عن حالهم قبل الرسالة وأنهم كانوا ينتظرون مجيء هذا النبي: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} البقرة،89، 90. وعن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبدالأشهل- قال سلمة وأنا يومئذ حدث، علي بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي- فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، قال فقال ذلك في أهل يثرب، والقوم أصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا عند الموت، فقالوا له: ويحك أترى هذا كائنا يا فلان إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به، قالوا يا فلان: ويحك! وما آية ذلك؟ قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة، قالوا ومتى نراه؟ قال فنظر إلي وأنا أصغرهم سنا، فقال أن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تبارك وتعالى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حي بين أظهرنا؛ فآمنا به وكفر بغيا وحسدا، فقلنا له ويحك يا فلان! ألست الذي
(1) التعريفات 138.
(2) المفردات 55، مادة بغى.