الصفحة 32 من 62

موضع اليقين والاطمئنان {إَلاَّ خَسَارًا} أي: هلاكًا؛ لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم، ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمرّدًا وعنادًا، فعند ذلك يهلكون). [1] وقال ابن كثير: (أي يذهب ما في القلوب من أمراض: من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفى من ذلك كله، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا؛ والآفة من الكافر لا من القرآن) . [2]

ويبين الأمر ابن عاشور كيف يكون القرآن شفاءً وكيف يكون بلاءً وخسارا للكافرين فيقول: (أن القرآن كله شفاءً ورحمة للمؤمنين، ويزيد خسارة للكافرين؛ لأن كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده، كل آية من ذلك مشتملة على هَديٍ وصلاحِ حالٍ للمؤمنين المتبعينَه، ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم، أي الشرك، فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خسارًا بزيادة آثامهم واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبُعْدِ ما بينهم وبين الإيمان) . [3]

والآيات التي تشابه هذه الآيات من حيث إثبات أن القرآن الكريم يزيد المؤمنين إيمانا، ويزيد الكافرين كفرا وعنادا - كثيرة جدا في القرآن الكريم ولا يحتمل المقام إيرادها كلها وذكر أقوال المفسرين لها؛ لكن نكتفي من هذه الشواهد المباركة بما يقوم به الاستدلال، ونختم بآية (فصلت) وهي قول جل ثناؤه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} فصلت،44. قال ابن كثير رحمه الله: (وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيء المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا) . [4] فتأمل كيف كان القرآن العظيم نورا للمؤمنين كما وصفه في آيات سورة النور، وأخبر أنه يخرج المؤمنين به من الظلمات

(1) فتح القدير3/ 259.

(2) تفسير القرآن العظيم3/ 60. وانظر جامع البيان15/ 151.

(3) التحرير والتنوير15/ 189.

(4) تفسير القرآن العظيم 2/ 403. وانظر أيضا تيسر الكريم الرحمن751، وانظر أيضا جامع البيان24/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت