دعوتهم، ويبين المنهج في التعامل معهم ... فإذا قراه الكافر المعرض - الذي لا يبحث عن الهداية، ولا يطلب الحق، بل منهجه الصد عن سبيل الله، وغاية أمره أن تكون سبيل الله معوجة - فحينئذ لا يزيده القرآن إلا طغيانا وكفرا. قال ابن كثير عند تفسير الآية السابقة: (أي يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفرا أي تكذيبا) . [1]
فلا إله إلا الله كيف يجعل الأمر الواحد سبيلا للنجاة لقوم، ثم يكون سبيلا للهلاك لقوم آخرين، قال ابن سعدي: (فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال) . [2] السعدي عند آية البقرة إن الله لا يستحيي.
وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} الإسراء،82. فأثبتت في الآيات السابقة أن القرآن لا يزيد الكافرين إلا طغيانا وكفرا، وهنا يبين سبحانه وتعالى أن القرآن هو في ذاته شفاء للمؤمنين، وهو في الوقت نفسه لا يزيد المعرضين الظالمين إلا خسارا،
قال الشوكاني عند تفسير هذه الآية: (ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سببًا لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} فصلت،44. ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرّة عليهم فقال: {وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا} أي: ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الظالمين الذي وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشك والارتياب
(1) تفسير القرآن العظيم2/ 76،77. وانظر جامع البيان 6/ 299.
(2) تيسير الكريم الرحمن 47.