تعملون) إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك. [1]
وأهل الكتاب في هذا الصنيع يشابهون من سبقهم من أمم الكفر في الصد عن سبيل الله قال تعالى مخبرا عن قوم شعيب: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} الأعراف،86.
فهم إذا شاكلوا من سبقهم في الضلال، وقد تنوع صدهم عن سبيل الله وسلكوا في ذلك طرقا منها:
أولا: إلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين. [2]
ثانيا: إنكار كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم.
ثالثا: إثارة الفتنة بين المسلمين كما فعل اليهود حينما أشعلوا نار الفتنة بين الأوس والخزرج؛ فحملوا السلاح حتى كادوا يقتتلون، فانزل الله في ذلك قرآنا يتلى وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} آل عمران،100. [3]
رابعا: الشهادة للكافرين الوثنيين بأنهم أهدى سبيلا من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم، كما مر معنا في آية سورة النساء. قال الفخر الرازي: (فإنهم لو أقروا بأن محمدا على الحق لزمهم متابعته، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم؛ فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والاتباع لمنهجه الصحيح) . [4]
(1) التحرير والتنوير4/ 27.
(2) مفاتيح الغيب8/ 138.
(3) جامع البيان4/ 24، وانظر أخبار المدينة 1/ 235.
(4) التفسير الكبير16/ 35.