الصفحة 28 من 62

المطلب الثاني: الصد عن سبيل الله

لا يكتفي الضال ببعده عن الهدى، وضلاله عن الطريق، بل يريد غيره أن يكون شريكا له في الغي، وقرينا له في المصير المشئوم، وقال الفخر الرازي:(واعلم أن الإضلال على مرتبتين:

الأولى: أن يسعى في صد الغير ومنعه من الوصول إلى المنهج القويم والصراط المستقيم.

والمرتبة الثانية: أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق، ويحاول تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل، وهذا هو الغاية في الضلال والإضلال). [1]

وقد أخبر الله جل في علاه أن الكافرين جمعوا ثلاث رزايا فقال: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} إبراهيم،3. فهم يحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله، ويريدون طريقه معوجة، وهذا الصنيع غير مقبول من الكافرين الجاهلين، فكيف يسلكه من آتاه الله الكتاب وجعله شاهدا على حقائق التنزيل ومستيقنا من علامات النبوة، قال تعالى موبخا أهل الكتاب: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} آل عمران،99. قال ابن عاشور عند تفسير هذه الآية: (المعنى: تصدّون عن السَّبيل المستقيم وتريدون السَّبيل المعوجّ ففي ضمير(تبغونها) استخدام لأنّ سبيل الله المصدود عنها هي الإسلام، والسّبيل الَّتي يريدونها هي ما هم عليه من الدّين بعد نسخه وتحريفه.

وقوله: (وأنتم شهداء) حال أيضًا توازن الحال في قوله قبلها (والله شهيد على ما تعملون) ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله. وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله: (وما الله بغافل عما تعملون) وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة (والله شهيد على ما

(1) التفسير الكبير 19/ 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت