فمن أراد سعادة الدارين فعليه أن يتعهد نفسه بالإصلاح والتزكية؛ فكما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فكذلك قلوب العباد، لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدت بذلك فسادا لا يرجى له صلاح، حتى تعرف ربها عز وجل وتعبده بأمره ونهيه، والنفوس الجاهلية حتى تترقى في محبة الله عز وجل وولايته تحتاج إلى رفق ومداراة حتى تصير سعادتها في الطاعات والعبادات قال بعض السلف: عالجت قيام الليل سنة وتمتعت به عشرين سنة. فالعاقل هو الذي يعالج نفسه ويجبرها على ما فيه سعادتها، وهذه المعالجة لن تطول بإذن الله، فلا تلبث نفس العبد أن تتعلم وتذوق حلاوة الطاعات وترك المعاصي، نصحت إحدى الصالحات من السلف بنيها فقالت لهم: (( تعودوا حث الله وطاعته، فإن المتقين ألفت جوارحهم الطاعة فاستوحشت من غيرها، فإذا أمرهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون ) ).
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حلاوة الإيمان، وبين أن الذي يذوق هذه الحلاوة من أخلص حبه لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم
(( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ) [1]
(1) رواه البخاري (1/ 60) الإيمان، مسلم (2/ 13) الإيمان، والترمذي (10/ 91) الإيمان، وروى مسلم والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم قال: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا ومحمد رسولا ) ).