فالحرية الفردية في الإسلام محددة بضوابط وقيود تجعلها مرتبطة بالأصل الأصيل الذي خلق الإنسان لأجله ألا وهو العبودية لله تعالى ، وهذا التشريع ليس سلبا للأفراد حريتهم بل من أجل أن يجنب البشرية الخوض في مزالق الردى ومهاوي الضلال قرونا طويلة ظلوا يتخبطون فيها ويتعثرون في تجاربهم وتؤدي بهم هذه التجارب إلى دمار الأجيال (2)
ومن فوائد هذا التشريع أيضا أن تراعى حقوق المجتمع ومتطلباته التي قد تتعارض أحيانا مع حق الفرد وحريته ، وقد صور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تصويرا بليغا فقال: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا، [ البخاري: 3 / 207 ]
فليس هناك فرد يعيش لوحده يفعل ما يشاء وقتما يريد بحجة أن له حرية شخصية يتصرف بها وفق هواه ، بل أن القضية مرتبطة بأفراد آخرين يتأثر كل منهم بحرية الآخر ، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يراعى في جانب الحرية ، يقول محمد قطب: ليس هناك مصلحة لفرد هي مصلحته وحده وشأنه بمفرده ، كل مصلحة هي مصلحتهم جميعا ـ أي جميع الأفراد ـ وكل ضرر هو ضرر يصيبهم جميعا ولا يستطيع أحد أن يتخل عن مسئوليته في هذا السبيل (1)
ولما كانت الحرية بهذه الدرجة من الحساسية وكانت بحاجة إلى مستوى معين من التوازن ، فإن على كل فرد مراعاة ذلك في الأقوال والأفعال وتوظيف هذا المبدأ ـ مبدأ الحرية ـ وفق مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد كفل الدين الإسلامي ممثلا في الكتاب والسنة تحقيق هذا المبدأ في نفوس معتنقيه ، ويبرز ذلك في عدة جوانب منها:
1ـ حرية العقيدة والعبادة .
2ـ الحرية الفكرية .
3ـ الحرية الملكية .
4ـ الحرية العلمية .
أولا: حرية العقيدة والعبادة