وتلك مكانة لم يصل إليها نبي مرسل ولا ملك مقرب ، ومع ذلك فقد ارتبط لفظ العبودية به عليه السلام ، قال تعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا } [ الإسراء: 1 ] فدل ذلك على أن أرفع منزلة هي منزلة العبودية ، وكذلك قال عز وجل عن عيسى عليه السلام: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } [ الزخرف: 59 ] ولذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله . [ البخاري 2/490 ] .
والعبودية وصف ملازم لكل إنسان ما دام له قلب ينبض وعين تطرف ، قال تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [ الحجر: 99 ] قال ابن حجر رحمه الله: قال سالم: اليقين: الموت (1)
وفي هذه الآية والآيات التي قبلها رد على مزاعم الصوفية التي تقول إنه يمكن للعبد أن ترفع عنه التكاليف الشرعية متى وصل إلى حالة أو مرحلة معينة ، ونحن نعلم من سيرة المصطفى عليه السلام أنه كان عابدا لله حتى آخر لحظة من حياته ، فهل يمكن لعبد أن يسعه ما لم يسع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! وفي الآيات أيضا دلالة على تكريم الإنسان الذي شرفه ربه بأن جعله وهو المخلوق الضعيف منتسبا بالعبودية لرب الكونين رب السماوات السبع والأرضين ومن فيهن . وفي المقابل نجد أفرادا من المسلمين يتجردون من عبوديتهم للخالق منصرفين إلى عبادة غيره ، وقد دعا الرسول عليه السلام على أولئك دعوة تصل إليهم وهم في عقر منازلهم فقال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع . [ البخاري: 2/328 ] .