معنى العبودية:
علمنا مما سبق أن وظيفة الإنسان الأولى والغاية من وجوده هي العبودية ، فماذا تعني هذه الكلمة وما مدلولاتها ؟ هل هي نطق بالشهادتين فقط ؟! أم أنها حركات بالجوارح ؟! أم يكفي الاعتقاد بالقلب ؟! أم غير ذلك من الأقوال والآراء ؟ الواقع أنها تشمل ذلك كله فهي نطق باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وذلك في حدود ما شرعه الرحمن . وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة ، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر بنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك من العبادات لله . (1)
والعبودية تعني أن يستسلم المرء لخالقه بكل جوارحه وطاقاته وتصرفاته وأفكاره وشعوره . كما تعني أن ينقاد للشرع ويحكمه في نفسه وأهله وما ملكت يمينه ، تاركا أهواءه وشهواته وراءه ظهريا . ويوضح سيد قطب حقيقة العبادة في أسلوب أدبي رفيع قائلا: إن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين:
الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس ، أي استقرار الشعور أن هناك عبدا وربا . عبدا يعبد وربا يعبد ، وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار . ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود وإلا رب واحد والكل له عبيد .
والثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير وكل حركة في الحياة . التوجه بها إلى الله خالصة والتجرد من كل شعور آخر ومن كل معنى غير معنى التعبد لله (2) .