ثم ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو ، ولو كشف لهم عن حقيقة مذاهبهم ، كانت أصولهم المظلمة ، وآراءهم المحدثة ، وأقاويلهم المنكرة ، كانت بالتقليد أليق ، وبما انتحلوها من الحشو أخلق ، إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق ، ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق مخالف أو موافق . إذ فخره على مخالفيه بحذقه ، واستخراج مذاهبه من الدقائق بعقله وفكره ، وأنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق ، أو معاند للشريعة مشاقق ، فليس بحقيق مَنْ هذه أصولُه أن يعيب على من تقلَّد كتاب الله وسنَّة رسوله واقتدى بهما ، وأذعن لهما ، واستسلم لأحكامهما ، ولم يعترض عليهما بظنٍ أو تخرص ، واستحالة أن يُطعن عليه ، لأن بإجماع المسلمين أنه على طريق الحق أقوم ، وإلى سبل الرشاد أهدى وأعلم ، وبنور الاتباع أسعد ، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد وأسلم ، من الذي لا يمكنه التمسُّك بكتاب الله إلا متأولا ، ولا الاعتصام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منكرًا أو متعجبا ، ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخرا مستهزيا . لا شيء عنده إلا مضغ الباطل ، والكذب على الله ورسوله والصالحين من عباده ، وإنما دينه الضجاج والنفاق ، والصياح واللقلاق ، قد نبذ قناع الحيا وراءه ، وادَّرَعَ سربال السفه فاجتابه ، وكشف بالخلاعة رأسه ، وتحمل أوزاره وأوزار من أضله بغير علم إلا ساء ما يزرون ، فهو كما قال الله تعالى (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) ) (13: سورة العنكبوت) .