الصفحة 21 من 37

فهم ذوو قلوبٍ أشدُّ بياضاَ من الثلج ، وأجلى وأصفى من الصفا ، لا يضرُّها فتنة ، ولا يردُّها عن الإيمان محنة ، فصفاء قلوبهم من صفاءِ عقائدهم ، وكثرةِ ذكرِهم وشكرِهم وإنابتِهم ، فمثالهم بين الأنام ، كما صحَّ عن حذيفة بن اليمان قال قال رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا ، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ، فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ، إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) ).

وكيف لا تصفو قلوبهم ! ، وهم أطوع الخلق لأوامر الله ومراضيه ، وأبعدهم عن مساخطه ونواهيه ، قد غَضُّوا أبصارَ همَّتهم عن الشهوات ، وأغلقوا آذان أفئدتهم عن الشبهات ، فقد (( رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ ) ) (59: سورة التوبة) .

وإنما صفتْ قلوبهم ، لاشتمالها على النورين: نور الفطرة السليمة والإدراك الصحيح ، ونور الوحي والرسالة ، فهى (( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) )، قد تمازج النوران واختلطا ، فازدادت القلوبُ اطمئنانًا ويقينا ، واتفقت عندها شواهد الشرع والعقل ، والفطرة والوحي ، فأيقنت بالحق وأذعنت له ، وانقادت لأوامره وعملت بها ، فرَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت