وأود أن أنبه هنا إلى أن مسألة التخصيص بالمفهوم كانت ـ وما زالت مسألة شائكة وغامضة عند أهل العلم، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية من أوائل من نبه إلى غموضها ودقتها وحصول الاشتباه فيها على كثير ممن تعرض لها، حيث يقول في هذا الصدد عنها:"... فإنها ذات شعب كثيرة، وهي متصلة بمسألة المطلق والمقيد، وهي غمرة من غمرات أصول الفقه، وقد اشتبهت أنواعها على كثير من السابحين فيه" [1] .
ويقول ابن رشد (ت595هـ) في أثناء كلامه عن مسألة تتفرع على القول بالتخصيص بالمفهوم:"... فوجب أن يرجح بين العموم ودليل الخطاب، ولا خلاف أن العموم أقوى من دليل الخطاب، لكن العموم يختلف أيضًا في القوة والضعف؛ ولذلك ليس يبعد أن يكون بعض أدلة الخطاب أقوم من بعض أدلة العموم، فالمسألة لعمري اجتهادية" [2] .
وقال ابن دقيق العيد (ت702هـ) عن تخصيص العموم بالمفهوم:"وقد تردد كلام المتأخرين في هذا" [3] ثم ذكر أنهم اضطربوا بحيث نفى بعضهم الخلاف في جوازه، ومال بعضهم إلى أن الأشبه عدم الجواز.
وقال الشوكاني (ت1250هـ) أيضًا في معرض كلامه عن مسألة مما تتفرع على هذا الأصل:"... وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو الصواب فيها إلا الأفراد" [4] .
ولمزيد الإيضاح سيكون الكلام في هذا المطلب على النحو الآتي:
أولًا: المعنى الإجمالي للتخصيص بالمفهوم:
المقصود بهذه المسألة أن يرد دليل شرعي عام، ويعارضه مفهوم دليل آخر، سواء كان ذلك المفهوم موافقًا أو مخالفًا، فهل يجوز تخصيص عموم ذلك الدليل بمفهوم الدليل المعارض له، أو أن المفهوم لا يقوى على تخصيصه، وعليه يكون العموم مقدمًا؟.
ولعل المقام يتضح أكثر بالمثال:
(1) مجموع الفتاوى 31/108.
(2) بداية المجتهد 1/110.
(3) شرح الإلمام 1/422.
(4) نيل الأوطار 1/37.