ثانيًا: أنه قد ادعى بعض أهل العلم الاتفاق على جواز التخصيص بمفهوم المخالفة، كما هو منقول عن أبي الحسين ابن القطان [1] وأبي إسحاق الاسفراييني [2] ، وهو منصوص سيف الدين الآمدي.
جاء في البحر المحيط عن التخصيص بمفهوم المخالفة:"... وذكر أبو الحسين بن القطان أنه لا خلاف في جواز التخصيص به... وكذا قال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني: إذا ورد العموم مجردًا من صفة، ثم أعيد بصفة متأخرة عنه، كقوله تعالى: اقتلوا المشركين مع قوله قبله أو بعده: اقتلوا أهل الأوثان من المشركين، كان ذلك موجبًا للتخصيص بالاتفاق" [3] .
وقال الآمدي:"لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم: أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة أو من قبيل مفهوم المخالفة" [4] .
والتحقيق أن التخصيص بمفهوم المخالفة مسألة خلافية لا وفاقية، ولعل من نقل الاتفاق هنا لم يقف على آراء المخالفين فقال بالاتفاق، كما هو ظاهر عبارة الآمدي حيث قال:"لا نعرف خلافًا"، فهو ينفي معرفة الخلاف لا نفس الخلاف [5] ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولهذا عقب الزركشي على النقل السابق بقوله:"وليس كما قالا"، ثم نقل التصريح بوجود الخلاف في المسألة عن طائفة من محققي الأصوليين [6] .
(1) هو: أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن القطان البغدادي الشافعي، فقيه أصولي من أهل بغداد، له مصنفات في أصول الفقه وفروعه، توفي سنة 359هـ.
انظر: شذرات الذهب 3/28، معجم المؤلفين 2/75.
(2) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفراييني، متكلم أصولي فقيه شافعي، له تصانيف جليلة، منها: جامع الحلي في أصول الدين، وتعليقة في أصول الفقه، توفي سنة 418هـ. انظر: شذرات الذهب 3/209، معجم المؤلفين 1/83.
(3) البحر المحيط 3/382.
(4) الإحكام 2/478-479.
(5) انظر: دليل الخطاب وأثر الاختلاف فيه ص219.
(6) انظر: البحر المحيط 3/382.