وعلى كل حال فالمحقق عند جماهير أهل العلم من القائلين بجواز التخصيص بالمفهوم وغيرهم أن تخصيص العام بمفهوم اللقب لا يجوز، وقد أفردوا الكلام عنه في مسألة مستقلة، وعنونوا لها بقولهم:"ذكر بعض أفراد العام لا يخصص"، أي: أن الشارع إذا ذكر فردًا من أفراد العام بأن نصَّ على واحد مما تضمنه، وحكم عليه بالحكم الذي حكم به على العام، فإنه لا يكون مخصصًا له [1] .
وقد لخص بعض المحققين هذا بأن ذكر أنه إذا كان نصان: أحدهما عام، والآخر خاص لا مفهوم له يخالف العام، فلا تعارض بينهما، بل الخاص بعض العام، وهما متوافقان، أما إذا كان للخاص مفهوم يخالف العام، بأن كان بمفهومه ينفي الحكم عن غيره، فهذا هو مسألة تخصيص العام بالمفهوم [2] .
ويعزز هذا أنه اعترض على الجمهور القائلين بأن إفراد فرد من العام لا يخصص: بأن كلامكم هذا يعارض ما اخترتموه من أن المفهوم يخصص العموم؛ فإن تخصيص بعض الأفراد بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما عداه، فيكون مخصصًا للعام! فأجاب الجمهور بأنه إنما يخصص العموم من المفاهيم ما تقوم به الحجة.كمفهوم الصفة، وأما مفهوم اللقب فإنه مردود [3] .
ومثال التخصيص بمفهوم اللقب المردود: ما ذكر بعض أهل العلم من أن قوله - صلى الله عليه وسلم -:"أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون" [4]
(1) انظر: الإحكام، للآمدي 2/488، المسود ص142، رفع الحاجب ص373، الإبهاج 2/194، نهاية السول 2/484، البحر المحيط 3/220، القواعد والفوائد الأصولية ص293، شرح العضد 2/152، فواتح الرحموت 1/355.
(2) انظر: المسودة ص142-143، شرح العضد 2/152، حاشية التفتازاني على شرح العضد 2/152.
(3) انظر: الإحكام، للآمدي 2/488-489، رفع الحاجب ص373، البحر المحيط 3/223.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:"ملك الناس"9/209.
ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في الأدعية 17/39.