أن يكون العام والمفهوم في كلام واحد متصل بعضه ببعض، بحيث يكون آخره مقيدًا لأوله، كما لو قال قائل: الماء طهور لا ينجسه شيء إذا بلغ قلتين، أو قال: في كل خمس من الإبل شاة إذا كانت الإبل سائمة، وكقول الموصي: وصيت بهذا المال للعلماء، يعطون منه إذا كانوا فقراء.
ففي هذا القسم لا خلاف بين العلماء القائلين بالمفهوم ونفاته على أن الكلام هنا لا يؤخذ بعموم أوله مراعاة للقيد المذكور في آخره؛ فإن تقييد الكلام بالصفة المتأخرة فيه واجب عند الجميع، حيث إنه من باب الكلام المقيد بوصف في آخره.
القسم الثاني:
أن يكون العام والمفهوم في كلام متكلمين لا يجب اتحاد مقصودهما، وذلك كأن يشهد شاهدان بأن جميع الدار لزيد، ويشهد آخران بأن الموضع الفلاني منها لعمرو.
فهنا تعارض العموم المستفاد من كلام البينة الأولى، مع المفهوم المستفاد من كلام البينة الأخرى، فلا يخصِّص هنا المفهومُ العام، بل هما كلامان متعارضان.
القسم الثالث:
أن يكون العام في كلام، والمفهوم في كلام آخر مستقل عنه، من متكلم واحد، أو في حكم الواحد، وإنما قيل: أو في حكم الواحد؛ ليدخل فيه إذا كان أحدهما كلام الله تعالى والآخر كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن حكم ذلك حكم ما لو كانا جميعًا من كلام الله أو كلام رسوله [1] .
فهذا القسم هو محل النزع في هذه المسألة.
ثانيًا: كما يمكن أن يلحظ من جهة أخرى أن محل التخصيص بمفهوم المخالفة عند الجمهور القائلين به فيما إذا كان ذلك المفهوم المعارض للعام حجة، أما إذا كان غير محتج به كمفهوم اللقب، فلا يجوز التخصيص به بلا خلاف بين أهل العلم، كما حكاه بعض العلماء، وقد ذكر بعضهم الخلاف فيه [2] .
(1) قد سبق التمثيل لهذا القسم في المطلب الأول.
(2) انظر: المسودة ص142، رفع الحاجب ص373، البحر المحيط 3/221-222.