فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 59

قبل بيان معنى هذا المطلب، أود أن أنبه إلى أن التخصيص بمفهوم المخالفة هو المقصود الأساس في هذا البحث؛ نظرًا لتحقق خلاف أهل العلم فيه، ولهذا قصر طائفة من الأصوليين الكلام عليه في حكم التخصيص بالمفهوم، فقد بيَّن ابن السبكي ـ مثلًا ـ أن كلام ابن الحاجب في مختصره إنما كان عن التخصيص بمفهوم المخالفة، فقال:"محل الاتفاق في مفهوم الموافقة، ولذلك لم يتحدث فيه المصنف؛ إذ لا كبير غرض في الاحتجاج لما لا نزاع فيه، وإنما تحدث في موضع النزاع، وهو مفهوم المخالفة" [1] .

فكان أكثر كلام الأصوليين موجهًا إلى التخصيص بمفهوم المخالفة، فذكروا الخلاف فيه، وحرروا محل النزاع، وساقوا الأدلة والمناقشات، وما يترتب عليه من ثمرات فقهية.

ويقصد بالتخصيص بمفهوم المخالفة أن يتقرر عموم في دليل شرعي لكن يعارضه مفهوم مخالفة مستفاد من دليل شرعي آخر، بحيث يدل اللفظ فيه على ثبوت نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، فيترتب عليه معارضة حكم المسكوت عنه للحكم المتقرر من عموم الأول، فإذا جاز التخصيص بمفهوم المخالفة أعمل العام فيما عدا صورة التخصيص، فكان المراد منه ما عدا ذلك البعض الذي دل عليه مفهوم المخالفة، فكان مخصصًا له، كما هو الحال في التخصيص بسائر المخصصات، وإذا لم يجز ذلك قدمنا العام عليه، فجعلناه على ظاهره مستغرقًا لجميع ما يصلح له، واطرحنا المفهوم وألغيناه، كما هو الحال في تقديم المنطوق الخاص على المفهوم.

وقد سبق التمثيل لهذا فيما سبق، فليرجع إليه [2] .

ومثال آخر: تخصيص عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" [3]

(1) رفع الحاجب، ص357.

(2) انظر: المطلب الثالث من التمهيد.

(3) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه، أول كتاب التيمم من حديث جابر - رضي الله عنه - 1/149.

وأخرجه مسلم في صحيحه، أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - 5/5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت