ما ثبت من كون مفهوم الموافقة دليلًا شرعيًا، وقد ثبتت حجيته، وإذا كان خاصًا وعارضه دليل عام فإنه يخصصه؛ لأن الخاص مقدم على العام.
وفي هذا الصدد يقول الآمدي (ت630هـ) في تقرير هذا الدليل:"وإنما كان كذلك [1] ؛ لأن كل واحد من المفهومين دليل شرعي، وهو خاص في مورده، فوجب أن يكون مخصصًا للعموم؛ لترجيح دلالة الخاص على دلالة العام" [2] .
الدليل الثاني:
أن الفحوى دليل خارج مخرج النطق، ومعناه معنى النطق في باب الاحتجاج به، ومن المعلوم أنه قد ثبت جواز التخصيص بالنطق، فكذلك بما هو جار مجراه [3] .
الدليل الثالث:
أن دلالة الفحوى قوية، فهي إما منطوق أو في حكمه بأن تكون مستفادة بالقياس، وعلى تقدير أي منهما يجوز التخصيص به [4] .
ويزيد الشيرازي (ت476هـ) هذا الدليل جلاءً بقوله عن مفهوم الموافقة:"يجوز تخصيص العموم به؛ لأنه على قول بعض الناس معقول من اللفظ في اللغة عند أهل اللسان.. وتخصيص العموم بالنطق جائز، وعلى قولنا: تحريم الضرب مستفاد من جهة المعنى بالقياس على التأفيف [5] ؛ لأنه ليس معنا في المنع من الضرب لفظ، وإنما اللفظ في المنع من التأفيف خاصة، وإنما أثبتنا تحريمه بالقياس عليه، والشافعي رحمه الله يسميه القياس الجلي، وهو يجري مجرى النص، ولهذا ينقض حكم الحاكم إذا خالفه، كما يُنقض إذا خالف النص، وتخصيص العموم بالقياس جائز، فلأن يجوز بهذا النوع أولى" [6] .
الدليل الرابع:
(1) أي: جواز التخصيص بالمفهوم.
(2) الإحكام 2/479.
وانظر كذلك: مجموع الفتاوى 31/141.
(3) انظر: العدة 2/579، قواطع الأدلة 1/363.
(4) انظر: قواطع الأدلة 1/391، تشنيف المسامع 2/783، الآيات البينات 3/81، حاشية العطار 2/66.
(5) وذلك في قول الله تعالى: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } [الإسراء: 23] .
(6) شرح اللمع 2/27.