قلت: الجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن التخصيص يوقع الدولة في الحاجة إذ به تتخذ الموارد طريقها سريًا إلى القطاع الخاص مما يخلي خزينة الدولة، ويدفع بها إلى الاعتياض بالضرائب عما فرطت فيه من موارد.
وهكذا صنيع النظام الرأسمالي الذي يسوده التخصيص فإن قوامه الضرائب لوجود الحاجة إليها بعد أن تخلت الدولة عن ملكية الموارد، وجعلتها نهبًا للقطاع الخاص.
الوجه الثاني: على التسليم جدلًا بأنه يمكن للدولة أن تطبق نظام التخصيص دون أن ينتج عنه وقوع الدولة في حاجة توجب عليها فرض الضريبة أبدًا، فلا تطبق الضريبة إلا في ظروف خاصة، ووفق شروط وضوابط، والجواب عنه أنه يقال:
ومن ذا الذي يكون رقيبًا على الدولة، محاسبًا لها، وكثيرًا ماتجاز أمور بضوابط، نظريًا، تنتهك بلا ضوابط، عمليًا، والواقع شاهد بهذا، والظلم منتشر بين الناس اليوم أفرادٍ، وحكومات.
وقد جاء النهي عن المكس ـ الضريبة ـ في قوله صلى الله عليه وسلم بشأن الغامدية المقرة بالزنا (فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لغفر له) [1] .
قال النووي في شرحه الحديث: (فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب، والموبقات) [2] .
كما أن العلماء الذين رخصوا للحاكم بأخذ شيء من أموال الرعية، لمصلحة عامة بشرطه، كانوا مع ترخيصهم يشددون على الحاكم في هذا الشأن، ومن ذلك:
أ- ماذكر صاحب النجوم الزاهرة عن العز بن عبدالسلام [3] في رسالته إلى السلطان قطز [4] ، حيث شاور العلماء في أمر التتار، قال: (إذا طرق العدو بلاد الإسلام، وجب على العالم
(1) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنا، 11/ 203.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم، 11/ 203.
(3) هو الشيخ عز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام السلمي الدمشقي، كان شيخًا للإسلام، عالمًا، ورعًا، زاهدًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، انظر: طبقات الفقهاء، ص 267.
(4) هو قطز بن عبدالله المعِزّي، كان فارسًا شجاعًا، دينًا، محببًا للرعية، هزم التتار، وطهر الشام منهم يوم عين جالوت، توفي سنة ثمان وخمسين وستمائة، ولم يكمل سنة في الملك، انظر: سير أعلام النبلاء، 23/ 200.