وهذه الملكية قد يُطْلق عليها الملكية العامة، وهذا الإطلاق فيه تجوز، لما بينهما من فرق، فإن الملكية العامة: تطلق على ماكان الناس فيه شرع، وقد جعل الشارع الأمر فيه إلى الأفراد، فمن حصل منهم على شيء منه امتلكه، فطريق امتلاك شيء منه الإحراز والحيازة، ومن أمثلته:
الماء، والشجر، والصيد، ونحو ذلك.
المطلب الثاني: في بيان حكم التخصيص:
وإذ يُخَرَّج التخصيص على أنه بيع، أو إجارة، فإن الحكم الإجمالي للبيع، والإجارة هو الإباحة، كما أن الملكية بأنواعها الثلاثة المتقدمة قد أباحها الشارع الحكيم، لكن، ومع ذلك لايخرَّج حكم التخصيص بناء على هذه العمومات، بل لابد من النظر فيما يستأثر به من أدلة، واعتبارات، عليها مدار حكمه.
هذا وإن من الاعتبارات التي يدار عليها حكم التخصيص الطريق الذي يتم به التخصيص، لذا فإن بيان حكمه سيكون موزعًا في طرقه على النحو الآتي:
المقصد الأول: حكم التخصيص بطريق البيع:
إن في التخصيص بطريق البيع يمتلك القطاع الخاص مشروعات منها ماهو حاجة للأمة بعامة، كالصحة، والتعليم، ونحوهما مما ينبغي بذله للأمة.
ومنها ماهو مورد جيد للأمة، كمؤسسات الاتصال، والمواصلات بأنواعها، ونحو ذلك، فالأولى بمقاصد الشريعة أن تكون ملكية ما هذا شأنه للدولة لما يلي:
1 -لقوله تعالى: ژ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ.ژ [1] فكون ملكيته للدولة أدنى أن لايكون دولة بين الأغنياء.
2 -ولحديث (الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار) [2] .
وقد ذكر الزيلعي لهذا الحديث بهذا اللفظ ثلاث طرق: عن رجل، وعن ابن عباس، وعن ابن عمر، وقال في الأول، (قال البيهقي في المعرفة:"وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم ثقات، وترك ذكر أسمائهم في الإسناد لايضر، إن لم يعارضه ماهو أصح منه) [3] ."
وقد روى ابن ماجة الحديث بلفظ آخر وطريق آخر، قال: (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث لايمنعن: الماء، والكلأ، والنار) [4] .
وقد وثق البوصيري هذا الحديث، بهذا الإسناد، قال: (هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات: محمد بن عبدالله بن يزيد المقري، أبو يحيى المكي، وثقه النسائي، وابن أبي حاتم، ومسلمة الأندلسي، والخليلي، وغيرهم، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين) [5] .
قلت: فهذه طرق تتظاهر، وتتظافر، والعمل على هذا عند أهل العلم، بل إنهم لم يقصروا هذا الحديث على لفظه، بل عدَّوه إلى مافي
(1) سورة الحشر، الآية:"7".
(2) سنن أبي داوود، كتاب الإجارة، باب في منع الماء، 3/ 278، سنن ابن ماجة، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، 2/ 826، السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب مالا يجوز إقطاعه من المعادن الظاهرة، 6/ 150.
(3) نصب الراية، 4/ 294.
(4) سنن ابن ماجة، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، 2/ 826.
(5) مصباح الزجاجة، 2/ 55.