وفي كل هذه المراحل عرف هذا العمل بـ (( التخريج ) )على اختلاف مفهوم هذه الكلمة بحسب الحاجة إليها في كل وقت، ويمكن للباحث أن يرى تطور مفهوم هذه الكلمة خلال العصور، وأنها قد مرت بأطوار خمسة متميزة:
الطور الأول:
رواية النص بإسناده إلى قائله في كتاب مصنف.
وهذا الطور يشمل عصر الرواية، وهو عبارة عن القرن الثاني والثالث والرابع من الهجرة.
فيقال في التعبير عن رواية النص بالإسناد في كتاب مصنف: أخرجه البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو الطحاوي، أو الطبري، أو غيرهم من المؤلفين في هذا العصر.
وسمي عملهم هذا تخريجًا للنص وإخراجًا له لأن أصل الخروج في اللغة بمعنى البروز، فكأن المؤلف أبرز هذا النص وأظهره للناس حين وضعه بإسناده في كتابه، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن إسناد النص يعرف عند العلماء بالمخرج، فكأنه الطريق الذي خرج منه هذا النص، وحينئذ فرواية المؤلف للنص بإسناده تخريج له لأنه عرّف الناس بمخرجه.
والذي يظهر لي ? والله أعلم ? أن كلا الأمرين له صلة يوصف هذا العمل بالتخريج، وتسمية مؤلفه بالمخرج، وذلك أن رواي النص إذا لم يضعه في كتاب له لا تسمى روايته له تخريجًا، وإلا لأصبح الراوة كلهم مخرجين، ولس الأمر كذلك، وكذلك المؤلف إذا وضع نصًا في كتابه دون أن يذكر إسناده لا يقال له في الاصطلاح أنه أخرجه، وإن قيل ذلك على سبيل التجوز فلا بد من تقييده، وإنما يقال: ذكره، وأورده، وساقه ونحو ذلك.
فظهر من هذا ملاحظة الأمرين في تسمية هذا العمل تخريجًا: روايته بإسناد ووضعه في كتاب مصنف
الطور الثاني:
في أثناء عصر الراوية وقبل انقراضه برز نوع من التخريج فيه معنى ما في الطول الأول ? وهو رواية الحديث بإسناده في كتاب مصنف ? وزيادة على ذلك وهو: تخصيص كتاب من كتب السنة وإخراج الأحاديث الموجودة فيه بأسانيد للمؤلف الثاني لا بمر بها على المؤلف الأول: ويلتقي فيه بشيخه أو من فوقه حتى الصحابي، ولأجل هذه الزيادة سمي عملهم هذا: اسنخراجًا.
فاستخراج الأئمة على (( الصحيحين ) )، وعلى (( سنن الترمذي ) )، و (( سنن أبي داود ) )وكثرت المؤلفات من هذا النوع ... وومن عمل مستخرجًا في أثناء عصر الرواية: أبو علي الطوسي، عمله على (( سنن الترمذي ) )وهو من أقران الترمذي، وكانت وفاته سنة 308هـ، وكذلك أبو بكر محمد بن رجاء النيسابوري المتوفى سنة 286هـ، وهو من أقران مسلم، وعمل على كتابه (( الصحيح ) )مستخرجًا ... واستمر هذا النوع من التصنيف حتى قبيل نهاية القرن الخامس.
الطور الثالث: