بعد انقراض عصر الرواية واستكمال تدوين السنة أخذ التخريج معنى جديدًا، وهو أن يروي النخرج الحديث بإسناد يمر به على كتاب مصنف سابق في عصر الرواية مثل: (( صحيح البخاري ) )، و (( سنن أبي داود ) )و (( مسند أحمد ) )و (( مصنف عبد الرزاق ) )، ثم بعد ذلك يعزوه دون إسناد إلى كتب أخرى يريد التخريج منها، وممن يكثر من هذا العمل البيهقي في (( سننه الكبرى ) )وكتبه الأخرى، والبغوي في (( شرح السنة ) )وابن الجوزي في (( التحقيق ) )وغيره من كتبه وكثيرًا ما ينصون على موضع التقاء إسناد من عزوه إليه بالإسناد الذي ساقوه، ويحدد بعض الباحثين هذا الطور بنهاية القرن السادس.
الطور الرابع:
نهجوا منهج من سبقهم في الطور الثالث، واستحدثوا مع ذلك طريقة جديدة اضطرهم إليها بعدهم عن عصر الراوية، فطالت الأسانيد، وهذه الطريقة هي العزو المباشر إلى كتاب السنة الأولى دون سوق أسانيد.
وأكثر كتبهم في التخريج على الطريقة الجديدية، فمن ذلك كتب الأحكام: (( عمدة الأحكام ) )للمقدسي، و (( الإلمام ) )لابن دقيق العبد، و (( المحور ) )لابن عبد الهادي، و (( بلوغ المرام ) )لابن حجر، وكذلم الكتب المخصصة لتخريج أحاديث معينة من كتب الفقه وغيرها، مثل (( تحفىة الطالب ) )لابن كثير، و (( تحفة المحتاج ) )لابن الملفق، و (( نصرب الراية ) )للزيلعي، و (( التلخيص الحبير ) )لابن حجر، وغيرها.
ومن الكتب المؤلفة على طريقة أصحاب الطور الثالث: (( نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار ) )و (( تعليق التعليق ) )وهما لابن حجر. ويمكن جعل مهاية القرن التاسع حدًا لانتهاء هذا الطور.
الطور الخامس:
وبعد القرن التاسع إلى وقتنا الحاضر اكتفى المخرجون بعزو الأحاديث إلى كتب السنة الأولى دون سوق أسانيد إلا في النادر جدًا، وهذا النادر غير مستساغ أيضًا، وذلك لطول الإسناد وعد الحاجة إليه.
والمراد بسوق الأسانيد أن يقول المخرج: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان ... إلى أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو إلى صاحب الأثر، فهذا هو الذي حذفه أهل الطور الرابع في غالب تخريجهم، وكذلك أهل الطور الخامس، وأما ذكر الإسناد من كتب السنة الأولى كأن يقول: أخرجه البخاري عن فلان عن فلان ... فهذا موجود في الطورين بكثرة وله أهميته في بيان درجة النص.
والمتأمل في تطور مفهوم كلمة: (( التخريج ) )ومتابعة تطبيقها في عصورها يلاحظ عدة أمور: