وأورد أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ: (( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه ) )ثم قال: ظاهره يدل على وجوب السواك والطيب، لأنهما معطوفان على الغسل وقد ذكر فيه الوجوب، فيقدر في المعطوف ما ذكر في المعطوف عليه (( إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو ) )والسواك والطيب ليسا بواجبين بالاتفاق، فدل ذلك (( على أن قوله: (( واجب ) )ليس على ظاهره، بل المراد به ندب المؤكد )) [1] وهذا استدلال منه - رحمه الله - بدليل الاقتران على استنباط حكم عدم وجوب غسل يوم الجمعة من الحديث المذكور، إذ التشريك بين أمرين في اللفظ بواسطة حرف الواو العاطفة نوع من دليل الاقتران.
وذكر الحافظ ابن حجر أن الطبري والطحاوي قد سبقا القرطبي إلى ما قال [2] .
وكذلك الحافظ ابن عبدالبر استدل بالقران بين الغسل والطيب والسواك في بعض الأحاديث على عدم وجوب غسل الجمعة فقال: (( ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين، فكذلك الغسل ) ) [3] وقال الزركشي الحنبلي - بعد حمله الوجوب على تأكيد الاستحباب: (( ويرشحه اقترانه بالسواك والطيب وهما غير واجبين إجماعًا ) ) [4] . وهذا استدلال بالاقتران.
والأحاديث والآثار الواردة في غسل الجمعة كثيرة ومتعارضة، فمنها ما يدل على الوجوب ومنها ما يدل على الندب، وهذا التعارض الظاهري تسبب في اختلاف الفقهاء في حكمه، فأما القائلون بحجية دليل الاقتران، فقالوا بالندب، لما ذكرنا من اقترانه بما تقرر عندهم أنه ليس واجبًا وهو السواك والطيب وغيرهما، وأولوا كل ما دل على الوجوب من حديث أو أثر وحملوها على الندب دفعًا للتعارض بينها. ووافقهم في الندبية جمهور العلماء سلفًا وخلفًا سواء من قال بدليل
(1) المفهم 2/ 479 - 480.
(2) انظر: فتح الباري 2/ 421.
(3) الاستذكار 5/ 20.
(4) شرح مختصر الخرقي 2/ 206.