الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا )) [1] .
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على وجوب المبالغة في الاستنشاق في الطهارة أو استحبابها، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرن بينهما في اللفظ في خطاب واحد موجه إلى مخاطب واحد. والاقتران في اللفظ يستلزم الاقتران في الحكم بناء على حجية دليل الاقتران.
ذكر هذا المثال العلامة ابن القيم لما تظهر فيه قوة دلالة الاقتران، فقال -بعد أن أورد لفظ الحديث: (( وبالغ في الاستنشاق ) ): (( فإن اللفظ تضمن الاستنشاق والمبالغة فيه، فإذا كان أحدهما مستحبًا فالآخر كذلك ) )ثم أثار الاعتراض بأن القران بين المستحب والمفروض في اللفظ لا يقتضي تسويتهما في الحكم لا لغة ولا عرفًا [2] .
وقد ذهب إلى وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل الإمام أحمد في المشهور عنه وهو المذهب عند الحنابلة، وبه قال ابن المبارك، وابن أبي ليلى وحماد بن سليمان وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، وأهل الظاهر، وحكي عن عطاء والزهري.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى وجوبه في الغسل، وهو رواية عن الإمام أحمد [3] .
ومن الأدلة على وجوب الاستنشاق، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر به في أحاديث صحيحة ثابتة، منها، حديث أبي هريرة المتفق عليه: (( وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر ) )، وفي لفظ: (( إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر ) ) [4] ، والأمر يقتضي
(1) رواه أبو داود في السنن - الطهارة - باب في الاستنثار 1/ 36 واللفظ له ورواه الحاكم في المستدرك - الطهارة - 1/ 249 بألفاظ متعددة، وقال: (( هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ) )1/ 247 ووافقه الذهبي، وصححه النووي في شرح صحيح مسلم 3/ 132، وقال الحافظ: (( رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره ) )فتح الباري 4/ 189 - الصوم.
(2) بدائع الفوائد 4/ 1627.
(3) انظر: الاستذكار 2/ 12 والمغني لابن قدامة 1/ 166، والشرح الكبير مع الإنصاف 1/ 325، وبدائع الصنائع 1/ 142، ونيل الأوطار 1/ 177.
(4) صحيح البخاري مع فتح الباري - الوضوء - باب الاستجمار وترًا 1/ 316، وصحيح مسلم بشرح النووي - الطهارة - باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار 3/ 158 واللفظان لمسلم.