لأنه عطف على المجيء من الغائط )) [1] ، ونقل المجد ابن تيمية تمثيل القاضي للقران بهذه الآية [2] . وأما المرداوي، فنقل استدلال القاضي بها، فقال: (( واستدل القاضي بقوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ... وتبعه ابن النجار في ذلك [3] ، والقاضي لم يستدل عليه بهذه الآية ولكنه ساقها مثالًا للقران الوارد في كلام الله تعالى، واستدل بها على جعل اللمس ناقضًا للوضوء بناء على اعتباره - رحمه الله - الاقتران اللفظي حجة على الاقتران الحكمي. ولا يستقيم الاستدلال بهذه الآية ونحوها مما ورد في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من مجرد القران بين لفظين، على حجية (( الاقتران ) )، بل يستدل بالاقتران على استنباط الحكم من تلك الخطابات، فيلحق أحد القرينين بالآخر في الحكم، إن لم يمنع من ذلك مانع.
واختلف الفقهاء في اعتبار لمس النساء ناقضًا للوضوء على مذاهب متعددة.
فذهبت الحنابلة والمالكية في المشهور عندهم إلى أن اللمس ناقض للوضوء إذا كان بشهوة وبدون حائل، ولم يفرقوا في ذلك بين اللامس والملموس، والمحارم والأجنبيات، والصغيرة والكبيرة، وزاد المالكية - في قول لهم - انتقاض الوضوء من اللمس من وراء حائل رقيق، وعند الحنابلة رواية مشهورة أيضًا عن الإمام أحمد أن الملموس لا ينتقض وضوؤه. ولهم أقوال أخرى [4] .
والصحيح عند الشافعية أن اللمس ينقض وضوء اللامس إن كانت المرأة أجنبية غير ذات محرم ولا صغيرة. سواء كان اللمس بشهوة أو بغير شهوة وسواء كان اللامس رجلًا أو امرأة، فاستثنوا ذات محرم والصغيرة، فإن لمسها لا ينقض الوضوء. وأما البالغة غير ذات محرم سواء كانت زوجة أو غيرها فلمس بشرتها بدون حائل ناقض للوضوء. وأما الملموس، فعن الشافعي روايتان مشهورتان: إحداهما أن وضوءه لا ينتقض، سواء كان رجلًا أو امرأة، وصحح هذه الرواية طائفة قليلة من أصحابه، والثانية أن وضوءه ينتقض ولا فرق بينه وبين اللامس، وصحح هذه الرواية أكثر أصحابه. ولهم في المسألة أقوال أخرى [5] .
وقالت الظاهرية: اللمس العمد بدون حائل ينقض الوضوء مطلقًا، سواء كان من الرجل أو المرأة، أجنبية كانت المرأة أم ذات محرم، صغيرة كانت أم كبيرة، زوجة أو غيرها، بشهوة كان اللمس أم بدون شهوة [6] .
والحنفية - في المعتمد - عندهم ذهبوا إلى أن اللمس بدون حائل لا ينقض وضوء اللامس سواء كان بشهوة أم بدونها ولا فرق في ذلك بين لمس الفرج وغيره من البدن، ولا بين ذوات المحارم والأجنبيات، ولا بين الكبيرة والصغيرة إلا أن يكون اللمس بمباشرةٍ فاحشة، كأن يباشر زوجته عارية وهو عار أيضًا وينتشر لها، فينتقض وضوؤه حينئذ وإن لم ير بللًا من مذي أو غيره، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن، فلا ينتقض الوضوء عنده باللمس وإن كان فاحشًا، ما لم ير بللًا. والملموس لا ينتقض وضوؤه قولًا واحدًا في جميع الحالات كما هو مذهب محمد بن الحسن في اللامس ما لم ير بللًا [7] .
وشيخ الإسلام ابن تيمية رجح ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من عدم انتقاض الوضوء باللمس مطلقًا في بعض كلامه، فقال - بعد أن تكلم في أنواع من نواقض الوضوء ومنها مس النساء: (( والأظهر في جميع هذه الأنواع أنها لا تنقض الوضوء، ولكن يستحب الوضوء منها ) ) [8] ، وفي بعض فتاواه تردد بين ما ذهب إليه الإمام أحمد ومالك من انتقاضه باللمس بشهوة وبين ما ذهب إليه أبو حنيفة من
(1) العدة 4/ 1420.
(2) انظر: المسودة 1/ 324.
(3) انظر: التحبير 5/ 2459 وشرح الكوكب المنير 3/ 261.
(4) انظر: كتاب التمام للقاضي أبي يعلى ص122، والمغني لابن قدامة 1/ 256، ومجموع الفتاوى 21/ 232 وما بعدها، والاستذكار لابن عبدالبر 3/ 42 - 57 والذخيرة 1/ 225.
(5) انظر: الحاوي الكبير 1/ 183 - 189 والمجموع 2/ 26 - 30.
(6) انظر: المحلى 1/ 227.
(7) انظر: المبسوط 1/ 73 وبدائع الصنائع 1/ 130.
(8) مجموع الفتاوى 21/ 222.