هذا المثال نقلًا عن الشهاب: (( الحكم المذكور هو النهي فتشاركا فيه، والذي لم يذكر هو التنجيس بهما ) ) [1] .
وأشار أبو سليمان الخطابي إلى أن الذي يشترك فيه البول والاغتسال من الجنابة هو سلب حكم الماء - يعني: سلب الطهورية من الماء الراكد الذي بال فيه والذي اغتسل فيه - فقال: (( ونهيه عن الاغتسال فيه يدل على أنه يسلبه حكمه كالبول فيه يسلبه حكمه إلا أن الاغتسال فيه لا ينجسه؛ لأن بدن المؤمن ليس بنجس، والبول ينجسه لنجاسته في نفسه ) ) [2] ، وكلامه هذا يدل على أن اقتران الاغتسال بالبول في اللفظ يستلزم اقترانهما في الحكم الثابت للبول الذي هو التنجيس، إلا أن الدليل الخارج منع هذا الاستلزام وفصل بينهما في هذا الحكم، وبقي الاشتراك في كون كل واحد منهما لا يتطهر به.
والدليل الخارج الفاصل بينهما في الحكم هنا، ما رواه مسلم بسنده (( عن أبي هريرة أنه لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسل، فذهب، فاغتسل، فتفقده النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاءه، قال: أين كنت؟ يا أبا هريرة! قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال رسول - صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس ) ) [3] ، وما رواه مسلم أيضًا (( عن أبي حذيفة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل، ثم جاء، فقال: كنتُ جنبًا. قال: إن المسلم لا ينجس ) ) [4] ، فدل هذان الحديثان وما شابههما على الفرق بين البول في الماء الراكد والاغتسال فيه في الحكم، فلم يعمل بدليل الاقتران هنا لمعارضة النص له. وهذا شأن كل دليل يعارضه ما هو أقوى منه، فإنه يسقط به الاستدلال لهذا، وليس لعدم حجيته في نفسه.
وبتنجس الماء الراكد بالاغتسال فيه من الجنابة قال أبو يوسف، ورواه عن أبي حنيفة، لكن الحنفية عللوا قول أبي يوسف بعلل غير
(1) حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 19.
(2) معالم السنن 1/ 33، وانظر: طرح التثريب للحافظ العراقي 2/ 33.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي - الحيض - باب الدليل على أن المسلم لا ينجس 4/ 88.
(4) المصدر السابق.