إلى أن قال رحمه الله في صفة من يستحق أن يكون مشرعا يقول: اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة صفات من يستحق أن يحكون الحكم له, فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة التي سنوضحها الآن إن شاء الله, ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية, فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع, سبحان الله وتعالى عن ذلك, فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون ليتبع تشريعهم, يقول: وإن ظهر يقينا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك فليقف بهم عند حدهم, ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية, سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته أو حكمه أو ملكه, فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ثم قال مبينا صفات من له الحكم: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف بأنه هو الرب الذي تفوض إليه الأمور, ويتوكل عليه, وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما على غير مثال سابق, وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجا, وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ... )