وأصل العفو أنه يدل على المحو, ومنه يقال عفت آثار القوم أي محت وانطمست, وعفت آثار الأقدام والخطى بمعنى انمحت إذا محتها الريح, ويقال عفا على هؤلاء الزمن أي أنه محى آثارهم ول يبق لهم ذكرا فصاروا نسيا منسيا.
هذا الاسم الكريم الذي يعني بالنسبة لله عزَّ وجلَّ أنه كثير العفو, كما قال ابن جرير رحمه الله بقوله: إن الله لم يزل عفوا عن ذنوب عباده, وتركه العقوبة على كثر منها ما لم يشركوا به, وكما قال الخطابي فيما معناه: هو من العفور وهو بناء المبالغة والعفو الصفح عن الذنوب وترك مجازاة المسيء.
ويقول ابن القيم رحمه الله في نونيته:
وهو العفو فعفوه وسع الورى ... لولاه غار الأرض بالسكان
أي لخسف بهم ودخلوا في جوفها.
الفرق بين العفو والغفور:
ذكر العلماء فيه وجوها وأقربها فيما أحسب والله أعلم, أن يقال بأن العفو هو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي, وهو أبلغ بهذا الاعتبار من الغفور, لأن الغفران يدل على الستر, وعلى عدم المؤاخذة بهذا الذنب, وأما العفو فهو يعني أن يمحى الذنب بالكلية, بحيث إن العبد لا يجده أصلا في سيئات أعماله, ولا يعرض عليه في حال الحساب حينما يحاسبه الله تبارك وتعالى, فلا يجد ذلك ضمن الذنوب التي غفر الله عزَّ وجلَّ لها كما يقول: (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) , فهذا فيما غفره الله تبارك وتعالى من ذنوب العباد, وأما ما عفي عنه فقد محي بالكلية, ولهذا قلنا بأن الغفور هو الذي يستر ذنوب العباد ولا يؤاخذهم بهذه الجرائم, أي لا يعاقبهم عليها.
* ورد هذا الاسم الكريم العفو في خمس آيات في القرآن الكريم كما قال عزَّ وجلَّ:
- (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً) سورة النساء, في ذكر التيمم, وقرنه هنا كما في سائر المواضع إلا في موضع واحد قرنه مع الغفور, لتقاربهما فالله يمحو أثر الذنب ويقي العبد شؤمه فلا يؤاخذ العبد عليه.