فحديث أبي هريرة يفيد أن العلة في المنع من التحريق هي كون التعذيب به من خصائص الله تعالى، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار» -كما في لفظ ابي داود وغيره-
ولهذا قال الشوكاني: (النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد الأمر بإحراق رجلين مشركين قد بالغا في الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقا القتل ثم علل ذلك بهذه العلة التي تفيد أنه لا يجوز التحريق بالنار لأحد من عباد الله سواء كان مشركا أو غير مشرك وإن بلغ في العصيان والتمرد على الله أي مبلغ) . [1]
وترتيبه كون التعذيب بالنار من خصائص الله تعالى بالفاء على النهي، يدل على أنه هو علة النهي، لأن الفاء من حروف التعليل ..
وقد قال الشيخ سيدي عبدُ الله في مراقي السعود في مراتب النص الظاهر - مشيرا إلى إفادة الفاء التعليل في كلام الشارع، ثم الراوي الفقيه، ثم الراوي غير الفقيه:
فالفاء للشارع فالفقيه ... فغيره يتبع بالشبيه
قلت: وإذا كانت العلة في تحريم التحريق بالنار هي كونه من خصائص الله تعالى، فإن هذه العلة تقتضي عموم التحريم في كل الحالات، ومنع تخصيصه بالآيات الدالة على مشروعية القصاص ..
وقد تقرر عند أهل الأصول أن العلة قد تقتضي عموم الحكم، كما قال في المراقي:
وقد تخصص وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تخرم
• ومن أمثلة تعميم العلة للحكم:
قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} .
فإن تعليله تعالى لوجوب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة، قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، وعدم اختصاصه بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لأن أطهرية القلوب كما يحتاج إليها أزواج النبي صلى اللله عليه وسلم، يحتاج إليها سائر نساء المسلمين.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي بكرة: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» ، فأن هذه العلة التي هي في ظاهر الحديث الغضب تعمم معلولها فيمتنع الحكم للقاضي بكل مشوش للفكر، كالجوع والعطش، والحقن والحقب.
(1) السيل الجرار (ص: 953) .