وبهذه المرجحات الثلاث يظهر أن أحاديث النهي عن التحريق أعم من الآيات الدالة على مشروعية القصاص
وأن أظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية: هو منع التحريق ولو قصاصا.
ولا يهولنك كثرة القائلين بلا تحقيق!
ومن لا علم له بأقوال أهل العلم قد يظن هذا القول خارجا عن مذاهب الفقهاء داخلا في شذوذات الآراء!
لكنه بعد البحث سيدرك أن هذا القول ذهب إليه جمع من اهل العلم من السلف والخلف.
قال ابن حجر:
(واختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر وبن عباس وغيرهما مطلقا سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصا .. ) . [1]
وذهب إلى هذا القول الأحناف وبعض المالكية والحنابلة.
قال المواق:
(قال القاضي أبو بكر: من قتل بشيء قتل به إلا في وجهين وفي وصفين:
الوجه الأول: المعصية كالخمر واللواط.
الثاني: النار والسم). [2]
وقال أصبغ:"لا يقاد بالسم ولا بالنار". [3]
وقال الباجي:
(روى ابن المواز عن ابن الماجشون أنه قال من قتل بالنار لم يقتل بها) . [4]
وقال ابن بطال:
(قال ابن الماجشون: يقتل بالعصا وبالخنق وبالحجر ولا يقتل بالنار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأى وجه قتل؛ فلا يقتل إلا بالسيف. وهو قول النخعى والشعبى ... ) . [5]
(1) فتح الباري - (6/ 150) .
(2) التاج والإكليل (11/ 413) .
(3) البيان والتحصيل (15/ 461) .
(4) المنتقى (4/ 243) .
(5) شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال (8/ 501) .