كما قال القرطبي:
(وقوله:"لا يعذب بالنار إلا رب النار"صحيح إذا لم يحرق، فإن حرق حرق، يدل عليه عموم القرآن) . [1]
قلت: والقول بأن الآيات الدالة على مشروعية القصاص مخصصة للنهي عن التحريق قول يحتاج إلى دليل.
والذي يظهر والله اعلم أن النهي عن التحريق والآيات الدالة على مشروعية القصاص بينهما عموم وخصوص وجهي ..
أي انه يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها وهي القتل حرقا، وفي هذه الحالة يتعين الترجيح كما قال في المراقي:
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتما معتبر
ومن أمثلة العموم الوجهي:
قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} مع قوله تعالى {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
قال النووي:
(قال الجمهور وقد تعارض عموم هاتين الآيتين، و إذا تعارض العمومان وجب الرجوع إلى مرجح لتخصيص أحدهما وقد وجد هنا حديث سبيعة المخصص لأربعة أشهر وعشرا وأنها محمولة على غير الحامل) . [2]
أما المسألة التي بين أيدينا فهناك ثلاث مرجحات يمكن أن نرجح بها عموم حرمة التحريق على عموم آيات إباحة القصاص:
المرجح الأول:
أن عموم آيات القصاص يفيد الإباحة، وعموم النصوص المحرمة للقتل يفيد التحريم، وفي معرض الترجيح يقدم التحريم على الإباحة على الصحيح من قول أهل العلم.
قال في الكوكب الساطع في بيان ما يقدم عند التعارض:
(1) تفسير القرطبي ـ (2/ 359) .
(2) شرح النووي على مسلم (10/ 109) .