الصفحة 13 من 23

ففي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القتل بالنار، وذلك لا يقتضي بالضرورة النهي عن الكي بالنار.

كما أن إباحة الكي بالنار لا تقتضي بالضرورة إباحة القتل بها، فتأمل.

وإذا كان الكي يشرع جنسه للتداوي، فلا غرابة أن يجعل وسيلة لعقوبة الظالمين.

وقد وقع التصريح عند البخاري بكيفية هذا السمل من رواية وهيب عن أيوب ومن رواية الأوزاعي عن يحيى كلاهما عن أبي قلابة ولفظه: (ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها) .

فأقصى ما يدل عليه سمل النبي صلى الله عليه وسلم لأعين العرنيين -إن سلمنا جدلا بعدم نسخه - هو إباحة الكي لبعض الأعضاء.

وقد قال السيوطي في الكوكب الساطع:

بالمتعارضين إن يمكنِ عمل ... ولو بوجه فهو أولى في الأجل

وقال الشافعي:"لا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجه يمضيان معا". [1]

وقال أيضا:"وكلما احتمل حديثان أن يُستعملا معا، استعملا معا، ولم يعطل واحد منهما الآخر". [2]

وقال الخطابي: (وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر أن لا يحملا على المنافاة ولا يضرب بعضهما ببعض، لكن يستعمل كل منهما في موضعه وبهذا جرت قضية العلماء) . [3]

الوجه الرابع:

ويمكن الجمع بين أحاديث النهي عن التحريق وحديث سمل أعين العرنيين بأن مشروعية السمل خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

والمقرر في الأصول: أن النص القولي العام الذي يشمل النبي صلى الله عليه وسلم، إذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا يخالفه كان ذلك الفعل مخصصا لذلك العموم القولي، فيكون ذلك الفعل خاصا به - صلى الله عليه وسلم -. وقد أشار في «مراقي السعود» إلى ذلك بقوله:

في حقه القول بفعل خصا ... إن يك فيه القول ليس نصا

-الاستدلال الثاني:

(1) الرسالة للشافعي (ص: 342) .

(2) اختلاف الحديث للشافعي (ص: 487) .

(3) معالم السنن للخطابي (3/ 68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت