استدلوا على عدم حرمة التحريق بما نسب إلى بعض الصحابة من التحريق، ومن ذلك ما نسب إلى علي رضي الله عنه وخالد وأبي بكر الصديق.
قلت: وما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم لا يقوى على معارضة النصوص الناهية عن التحريق، لا من جهة صحة الأسناد، ولا من جهة الرفع، بل لم يحدث شيء من ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق.
وأما ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن نمير، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن،"فأمرهما أن يعلما الناس القرآن"، فجاء معاذ إلى أبي موسى يزوره، وإذا عنده رجل موثق بالحديد، فقال: يا أخي أبعثنا نعذب الناس أم بعثنا نعلمهم ونأمرهم بما ينفعهم؟ فقال له: أسلم، ثم كفر، فقال: والذي بعث محمدا بالحق لا أبرح حتى أحرقه بالنار، فقال أبو موسى: إن لنا عنده بقية، قال معاذ: والله لا أبرح أبدا، قال: فأتي بحطب فألهبت فيه النار، وطرحه) .
فهذا حديث شاذ لمخالفته ما رواه الثقات ..
فقد روى هذه القصة حميد بن هلال، وعبد الملك بن عمير، و طلحة بن يحيى، وسعيد بن أبي بردة، وبريد بن عبد الله بن أبى بردة، كلهم عن أبي بردة رضي الله عنه عن أبي موسى ..
وكلهم (ما عدى رواية عبد الله بن نمير عن طلحة بن يحيى) ذكروا في القصة القتل ولم يذكروا التحريق.
بل ورد التصريح بضرب العنق عند البخاري من طريق شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، ولفظه:"فقال معاذ لأضربن عنقه".
وعند أبي داود والبيهقي من طريق حفص عن الشيباني عن أبي بردة ولفظه:"فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه".
وعند أحمد وعبد الرزاق في المصنف من طريق أيوب عن حميد بن هلال العدوى عن أبي بردة، ولفظه:"فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه".
وعند بن حبان من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، ولفظه:"فقال (أي معاذ) : ما أنا بالذي أجلس حتى أعرض عليه الإسلام، فإن قبل وإلا ضربت عنقه، فعرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم، فضرب عنقه"..