فيبقى علينا النظر: هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كل حالة، أو في هذه الحالة، أو يختص بهذا الزمان، أو هو عام في جميع الأزمنة، أو يختص به وحده، أو يكون حكم أمته حكمه؟
ثم بعد النظر في هذا يتصدى نظر آخر في حكم هذا الفعل الذي فعله: من أي نوع هو من الأحكام الشرعية؟
وجميع ذلك وما كان مثله لا يتبين من نفس الفعل؛ فهو من هذا الوجه قاصر عن غاية البيان؛ فلم يصح إقامة الفعل مقام القول من كل وجه ... ). [1]
وقال العلامة ابن بدران:
(ويقدم قوله عليه الصلاة والسلام على فعله لأن القول له صيغة دلالة بخلاف الفعل فإنه لا صيغة له تدل بنفسها وإنما دلالة الفعل لأمر خارج وهو كونه عليه السلام واجب الاتباع فكان القول أقوى فيرجح لذلك) . [2]
الوجه الثالث:
أنه لا يشرع المصير إلى الترجيح بين النصوص المتعارضة إلا بعد العجز عن الجمع بينها ..
كما قال في مراقي السعود:
والجمع واجب متى ما أمكنا ... اولا فللأخير نسخ بُيِّنا
ويمكن الجمع بين نهيه صلى الله عليه وسلم عن التحريق وسمله لاعين العرنيين باعتبار نهيه صلى الله عليه وسلم عن التحريق نهيا عن القتل بالنار، وسمله لأعين العرنيين كيا لبعض أعضاء الجسد بالنار قصاصا، والأمران مختلفان.
وقد يُقوّي هذا التوجيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة:
"إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
وبما روى ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فطلبوا رجلا فصعد شجرة فأحرقوها بالنار، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك , فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله, إنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق.
(1) فتح الباري - ابن حجر (1/ 341) .
(2) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل (ص: 210) .