(وقد وقع في هذا الحديث التمثيل بهم واختلف الناس في ذلك فقال بعضهم: هو منسوخ بالحدود فعن قتادة: أنه قال: فحدثني محمد بن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود وقال ابن شهاب - بعد أن ذكر قصتهم - وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية والتي بعدها، روى محمد بن الفضل - بإسناد صحيح منه إلى ابن سيرين - قال كان شأن العرنيين قبل أن تنزل الحدود التي أنزل الله عز وجل في المائدة من شأن المحاربين: أن يقتلوا أو يصلبوا: فكان شأن العرنيين منسوخا بالآية التي يصف فيها إقامة حدودهم.
وفي حديث أبي حمزة عن عبد الكريم - وسئل عن أبوال الإبل؟ - فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين - فذكر الحديث - وفي آخره فما مثل النبي صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد ونهى عن المثلة وقال:"لا تمثلوا بشيء".
وفي رواية إبراهيم بن عبد الرحمن عن محمد بن الفضل الطبري بإسناد فيه موسى بن عبيدة الربذي - بسنده إلى جرير بن عبد الله البجلي بقصتهم - وفي آخره فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم سمل الأعين فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية ... ). [1]
فإذا كانت عقوبة العرنيين منسوخة كلها، فقد زال الإشكال وسقط الاستدلال.
وإذا كانت باقية فما وقع فيها من تحريق منسوخ بحديث أبي هريرة.
الوجه الثاني:
التعارض بين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التحريق وسمله لأعين العرنيين تعارض بين قوله وفعله، وفي هذه الحالة يقدم القول على الفعل كما هو معلوم عند أهل الأصول.
قال في مراقي السعود مبينا تقديم القول على الفعل في باب الترجيح:
وقوله فالفعل فالتقرير ... فصاحة وألغي الكثير
وقد أشار الشاطبي في الموافقات إلى وجه تقديم القول على الفعل فقال:
(وهو-أي الفعل- يقصر عن القول من جهة أخرى: وذلك أن القول بيان للعموم والخصوص، في الأحوال والأزمان والأشخاص؛ فإن القول ذو صيغ تقتضي هذه الأمور وما كان نحوها، بخلاف الفعل، فإنه مقصور على فاعله، وعلى زمانه، وعلى حالته، وليس له تعدّ عن محله ألبتة، فلو تركنا والفعل الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلًا؛ لم يحصل لنا منه غير العلم بأنه فعله في هذا الوقت المعين، وعلى هذه الحالة المعينة.
(1) إحكام الأحكام (ص: 439) .