الصفحة 602 من 2189

وأما الشكر عرفًا؛ فهو صرف العبد جميع ما نعم الله به عليه من سمع وغيره إلى ما خلق لأجله فهو أخص مطلقًا من كل واحد من الثلاثة قبله لتقييده بمنعم مخصوص وهو الله سبحانه حيث قيل في حده: جميع ما أنعم الله به عليه، ولم يقل أنعم به عليه ولتقييده أيضًا بنعمة واصلة إلى عبده الشاكر، ولشموله لجميع الجوارح بخلاف الحمدين قبله والشكر لغة فلم تقيد النعمة في ذلك بمنعم مخصوص ولا بكونها واصلة إلى الحامد أو الشاكر، بل وصلت إليه وإلى غيره، ولا يكون ذلك بجميع الجوارح كما لا يخفى، وهذا الشكر هو الشكر المأمور به شرعًا المعبر عنه بالتقوى والاستقامة الذي أخبر عنه تعالى بقوله: وقليل من عبادي الشكور (سبأ:13) وقوله تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم (ص:24) فلا يبلغ العبد حقيقة الشكر شرعًا إلا بكمال التقوى والاستقامة الظاهرة والباطنة أما المخلط في أحواله فلم يؤد ما وجب عليه من الشكر بتمامه نعم الطاعة الصادرة منه هي بعض ما وجب عليه من الشكر، ولما لم يكن المخلط مؤديًا ما وجب عليه وكان الكثير من الناس مخلطًا قال تعالى: وقليل من عبادي الشكور الخ. إذ المراد بصرف الجميع أن لا يخرج العبد عن طاعة مولاه بأن تسلم جوارحه كلها من مخالفة أمره ونهيه في جميع الأوقات فلا يكون شاكرًا لنعم الله تعالى شكرًا حقيقيًا إلا بصرف الجميع، والعبد لا يخلو عن نعم الله طرفة عين، وعن ذلك أفصح الجنيد رضي الله عنه بقوله: الشكر أن لا يعصى الله بنعمه، أي جوارحه لأنها نعمة من الله عليه قال هذه القولة في صباه. وبأدنى تأمل يعلم أن النسب ست إذ بين كل واحد من الثلاثة والشكر عرفًا العموم والخصوص بإطلاق، فهذه ثلاث نسب، وبين الحمد لغة والحمد عرفًا والشكر لغة العموم والخصوص من وجه وبين الحمد عرفًا والشكر لغة الترادف، فهذه ثلاثة أخر وقد نظم ذلك الشيخ (عج) رحمه الله بقوله:

إذا نسبا للحمد والشكر رمتها

بوجه له عقل اللبيب يؤالف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت