فقال: ماذا تنقمون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نزل عليهم الوحي، وهم أعلم بكتاب الله منكم، وليس فيكم منهم أحد، وعلى صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثًا، لماذا غزا ولم يسبِ، قاتل ولم يسب، ولماذا محى من اسمه أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو من الكافرين، ولماذا حكم الرجال؟ فما شأن الرجال في الحكم، إن الحكم إلا لله.
وكان بقاياهم يقاتلون ويقولون: إن الحكم إلا الله، إن الحكم إلا لله، رجل يقال له: شبيب، وكان شجاعًا منهم، ويكنى بأبي المدلّه، كان يقاتل ويقول:
أنا شبيب أبو المدلّه ... إن الحكم إلا لله
وأين هو وأين الفهم الصحيح للأدلة، فكان علي بن أبي طالب يصك المصحف، ويقول: انطق يا مصحف، انطق يا مصحف، قالوا: ماذا تخاطب من حبر وورق؟ قال: هؤلاء يقولون الحكم لله، فمن الذي يحكم بحكم الله إلا أهل العلم، من الذي ينفذ الحكم، من الذي يأمر، إلا أهل العلم، كما في مسند أحمد بنحوه.
ولما ناظرهم ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أرأيتكم إن جئتكم ببطلان ما تقولون أترجعون؟ قالوا: نعم، فقال: أما قولكم في حكم الرجال، فقد حكم الله الرجال في بضع امرأة، وفي قصة أرنب، أي في جزاء الصيد، قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة:95] ، وقال تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35] .
ثم انتقل إلى الثانية: قال: أما قولكم أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أرأيتم يسبي أمكم، فإن قلتم يسبي أمكم كفرتم، قال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] ، وإن قلتم يستحل منها ما يستحل من سبيه كفرتم، لأنها أم، والأم محرمة، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء:23] الآية.